تتردد في المنتديات الثقافية والاقتصادية، منذ ما يربو على عقدين من الزمان، مصطلحات ومفاهيم أهمها: العولمة والكوكبية والعالمية والقرية الكونية والنظام العالمي الجديد..
يعد مصطلح العولمة Globalization من أكثر المصطلحات استخداماً في السنوات الأخيرة من القرن العشرين، وذلك على جميع المستويات، سواء المستوى الأكاديمي أم مستوى أجهزة الإعلام والرأي العام، أم على مستوى الأحزاب السياسية، أو التيارات الفكرية المختلفة.. ولا غرابة في ذلك، لان قضية العولمة لها العديد من الجوانب والزوايا، مما يثير اهتمام كل هؤلاء.
وقد كانت أول صياغة لكلمة العولمة في اللغة الانجليزية، في معجم ويبسترز s'Webster، حيث يُعرف الكلمة بأنها: إكساب الشيء طابع العالمية، وخاصة جعل نطاق الشيء أو تطبيقه عالمياً.. ومن ثم فإن الدعوة غالى العولمة بهذا المعنى، إذا صدرت من بلد أو جماعة.. فإنها تعني تعميم نمط من الأنماط التي تخص ذلك البلد أو تلك الجماعة، وجعله يشمل الجميع.. أي العالم كله..
ويشير مفهوم العولمة إلى الانتشار المسيطر الواسع، للأنظمة التجارية والمالية والاقتصادية والتقنية والثقافية والسياسية، في كل أنحاء العالم، بحيث يرتبط العالم بكل أجزائه بنظام واحد متكامل.. والعولمة بمفهومها هذا، لها مدلولان مترابطان هما:
المدلول الفكري أو المفهوم العقائدي الفلسفي للعولمة.. والذي ينظر إليها على أنها نظرة أيديولوجية، تغاير الشيوعية التي فشلت من قبل.. والتي كانت تعتمد على ملكية الدولة واحتكارها للاقتصاد والسوق المغلقة..
بينما تعتمد العولمة على الانفتاح على العالم، والحرية الاقتصادية والسياسية، والسوق الحر والمنافسة العالمية ونظام السوق العالمي المفتوح.. أما المدلول الثاني للعولمة: فهو المدلول الذي ينظر للعولمة على أنها عملية مادية، تتعلق بنقل ومبادلة السلع والخدمات والنقود والموارد والمعلومات.. عبر حدود الدول، دون معوقات أو قيود.. ما عدا قيود وأنظمة التجارة العالمية.
والحقيقة أن المدلولين مترابطان ومكملان لبعضهما، وأنهما وجهان لعملة واحدة هي العولمة.. ولا شك أن التقنية المتطورة في ثورة الاتصالات والمعلومات الحديثة، أسهمت وتسهم بدور كبير في انتشار مفهوم العولمة كفكر وسلوك يُمارس.
إذن، نستطيع القول إن ظاهرة العولمة ظاهرة مرتبطة بظواهر كثيرة مختلفة، استجدت على معظم مجالات الحياة.. ومن هذه الظواهر ما ينتمي لمجال التكنولوجيا، خاصة ما يطلق عليه الآن تكنولوجيا المعلومات Information Technology.. ومنها ما ينتمي إلى عالم الثقافة Culture والقيم Values.. ومنها كذلك ما يتعلق بعالم المال والأعمال Money & Business.
وعلى الرغم من كل ما يقال عن العولمة وتأثيرها في نظام القيم وتشكيل رؤية الفرد، نظراً لما أحدثته وما سوف تحدثه من تغيرات جوهرية أو نوعية في أنماط السلوك والمعايير، فلا سبيل لمواجهتها إلا بتحريك ما في الإنسان من عنصر سامٍ، ليسمو فوق مستوى العولمة وتحدياتها، من خلال وعي أخلاقي..
فالأخلاق لا تقف عند حد نشر القيم الأخلاقية، بل تمتد إلى خلق روح النقد والإبداع والابتكار في نفوس كل من الأفراد والجماعات.. كما تزودهم بمهارة فنية مستنيرة، تيسر لهم أن يدركوا اتجاه التصرف السليم.
بهذا لا بد من توضيح أهمية القيم الأخلاقية، ودورها في المنعطف الحضاري الذي دخلت فيه الحياة المعاصرة، إزاء العولمة وتحدياتها وتأثيرها على قيم المجتمع وهويته.. كما أشرنا في مقالة سابقة عن العلاقة التبادلية بين القيم والهوية، وضرورة تضمين القيم الأخلاقية في المناهج التعليمية، بأبعادها وأشكالها المختلفة حسب مستويات كل مرحلة تعليمية.
نستخلص من كل ما تقدم، أنه وفي عصر العولمة وتحدياته.. لا يجوز أن يقودنا هذا التيار الجارف إلى أن نذوب فيه، ونفقد هويتنا العربية الإسلامية.. كما لا يجوز أن نعزل أنفسنا عن عالمنا الذي نعيش فيه.. فهذا الانعزال في عالم اليوم قد أصبح أمراً مستحيلاً..
ومن هنا فإن علينا أن نكون مشاركين وإيجابيين في التطورات التي تحدث من حولنا.. لا أن نكون تابعين أو متفرجين.
كاتبة إماراتية