برحيل نصر حامد أبو زيد، بعد محمد عابد الجابري، يغيب علم آخر من إعلام الفكر كانت له فاعليته وحضوره، بأعماله وسجالاته وندواته ومعاركه الفكرية.

قضى أبو زيد بالتهاب حادّ فتك بدماغه ولم يمهله سوى أسابيع، وهو الذي كان يقاوم بعقله أشكال السيطرة والاستبداد. ولعله من التكرار أن نقول إن أبو زيد كان مفكراً نقدياً، تنويرياً، ليبرالياً، أو علمانياً.

فهو قد انفرد عن أقرانه ونظرائه، بجرأته الفكرية على قول ما يمنع قوله أو الجدل فيه، في ما يخص أم المسائل؛ أي الدين. ذلك أنه لم يكتفِ بإخضاع النصوص إلى الدرس المعرفي والفحص العقلاني، بل أقدم على كشف الغطاء، بدخوله إلى المنطقة المحرّمة أو الخطرة، وتأكيده على أن نصّ الوحي هو نتاج ثقافي للمجتمع العربي في العصر الجاهلي، كما حلل وكشف وعبّر في كتابه «مفهوم النص» أو في كتابه الآخر «نقد الخطاب الديني».

هذه الجرأة في ممارسة حرية التفكير والتعبير، هي التي كانت وراء محنته، كما تمثلت في اتهامه بالكفر والردّة، وفي رفع دعوى ضدّه لفسخ عقد زواجه من قرينته الدكتورة ابتهال يونس، الأمر الذي جعل بقاءه في مصر يشكّل خطراً على حياته. فاختار مغادرة القاهرة إلى هولندا لكي يقيم في مدينة ليدن ويدرّس في جامعتها.

من هنا تتداخل في مسيرة أبو زيد مهنته مع قضيته، بقدر ما يلتبس الشاغل المعرفي مع الهمّ الأيديولوجي والنضالي. علاقتي بنصر بدأت بالاطلاع على مؤلفاته، ثم بالكتابة عنها. وقد كتبت غير مقالة، منها ما هو نقد لأعماله، ومنها ما هو تضامن معه في محنته. وفيما بعد التقيت به شخصياً، في ندوة عقدت في غرناطة عام 1998. ثم تكررت اللقاءات، في بيروت والقاهرة وأمستردام، وفي ليدن بالذات عام 2004.

وأتوقف عند لقاء ليدن. فمن أطرف ما رواه ونحن نتجوّل في البناء القديم الذي يقع فيه مكتبه، أن هذا الجناح من أجنحة الجامعة، كان في الأساس ديراً قبل أن يحوّل إلى بناء جامعي، لأن ملك هولندا أراد تكريم أهل ليدن، مكافأة لهم على مأثرة سجلوها، فخيّرهم إما بخفض الضرائب عنهم أو بتحويل الدير إلى جامعة.

ومغزى الحكاية أن أهل ليدن آثروا المعرفة على دور العبادة، في حين أن ما حدث في مصر بعد قرون هو العكس بالتمام، إذ تحولت الجامعة إلى جامع، ذلك أن الذي اتهم نصر بالردّة والإساءة إلى الدين، ليس شيخاً أزهرياً، كما حصل أيام طه حسين، بل زميلان له في الجامعة.

لا شك أن أبو زيد لم يقدم نفسه كمنشّق أو يعبر عن موقف عدائي من الإسلام والمسلمين، بل هو قدم نفسه دوماً كمسلم، خاصةً بعد خروجه من مصر، كي لا يُعامَل كمنشق في الخارج، ولذا فقد افتتح أول درس له في جامعة ليدن بالبسملة.

ولكن ذلك لا يعني أن نصنّفه بين المفكرين الإسلاميين. نعم هو مسلم، بما يتعدى المعنى الفقهي أو الكلامي، إلى المعنى الأوسع الرمزي والثقافي والحضاري. بهذا المعنى يعد نصر أبو زيد، الذي اتهم بالمروق والخروج، مسلماً أكثر من روجيه غارودي الذي أعلن دخوله في الإسلام.

إن المفكر الإسلامي هو الذي يتبنى العقيدة أو الشريعة الإسلامية نهج حياة، أو مشروع خلاص لإصلاح الأمة أو البشرية جمعاء. وهذا أبعد ما يكون عن تفكير أبو زيد، الذي لم يكن يعمل في خدمة الدين أو الإسلام، كما يفكّر ويعمل الدعاة، من فقهاء أو علماء كلام.

ولذا لا أقول مع الكثيرين من المثقفين بأن أبو زيد لم يسئ إلى الإسلام، بل حاول تطويره وتحديثه. فهذا تمويه للمشكلة، ذلك أن أبو زيد قد استهدف، في نقده، زعزعة أسس العقيدة الدينية ونسف مشروعيتها السلطوية. وهذا هو معنى تاريخية النص الديني، إذا شئنا أن نعرف ما نقول.

أياً يكن، فالنص يستقل عن مؤلفه، لأن له كينونته وحقيقته كواقعة خطابية أو خريطة دلالية.. وهذا معنى نقد النص ومآل تفكيك المعنى. إنه ليس تضخيماً للخطاب ولا نفخاً في النص نفسه، وإنما هو دخول إلى ما يسكت عنه القول، ويتعداه إلى ما هو خارج عن نطاق التفكير في ما نفكر فيه ونعلنه، من أجل أن نفهم لمَ نخفق في مشاريعنا أو نحصد عكس ما نفكّر فيه. من هنا ليس كل من دعا دعوةً يملك مصداقية، ولا كل من رفع شعاراً ينجح في تطبيقه.

وإلا كيف نفهم أن تترجم الحرية استبداداً والاستنارة ممارساتٍ معتمة؟ أو كيف نفهم أن أصحاب الشعارات لا يُحسنون سوى انتهاكها؟ بل كيف نفهم أن يكون الواحد مفكراً كبيراً أو معلماً أو نبراساً أو مرشداً أو حكيماً أو رمزاً أو آيةً... والأمة على ما هي عليه من التخلف والتمزق؟!

أخلص من الكلام على هوية أبو زيد وقضيته، إلى الكلام على ما هو أهم في أعماله، أي على مهنته. ذلك أن أبو زيد بدأ كدارس محلل، يشتغل بإنتاج المعرفة وصناعة الفكر، قبل أن تطغى قضيته النضالية على شخصيته أو على مسيرته الفكرية.

ويحسن هنا التمييز بين الجرأة الفكرية وبين الجدة المعرفية، لأنه ليس كل من امتاز بالجرأة الفكرية يكون بالضرورة منتجاً أو مبدعاً في حقول المعرفة، وبالعكس؛ ليس كل من يؤمن بألوهية النص لا ينتج معرفة حوله. والشاهد على ذلك أن العلماء القدامى، مع تسليمهم بقدسية النص، قد أخضعوه للدرس والتحليل واشتغلوا عليه، على نحو أثمر معارف قيّمة في علوم اللغة والبلاغة أو الفقه والكلام أو في مجالات الفلسفة والتصوف.

ولا شك أن أعمال أبو زيد، في تناوله للخطابات الدينية، قد شكلت إضاءات كاشفة في فهم بنية النصوص ومنطقها وآليات اشتغالها واستراتيجيتها السلطوية.

وإذا كانت مثل هذه التحليلات، تتعارض مع المؤسسات والسلطات الدينية، فإنها مفيدة للمجتمعات العربية. لأن أحوج ما تحتاج إليه هذه، هو إنتاج معارف حول نفسها وثقافتها وواقعها.

على هذا الصعيد يُقيّم إنجاز أبو زيد وأثره الباقي، وهذا ما يحتاج إلى إفاضة لا يتسّع لها المقام. ولذا أُنهي كلمتي في هذه المناسبة، بأن أعماله تتأرجح بين مهمته ومهنته، بين قول الممنوع وتفكيك الممتنع.

كاتب ومفكر لبناني

harb@cyberia.net.lb