أحيت البوسنة يوم أمس الذكرى الخامسة عشرة لمجزرة سربرنيتسا الرهيبة، التي ارتكبتها قوات صرب البوسنة في الحادي عشر من يوليو عام 1995، وراح ضحيتها أكثر من ثمانية آلاف بوسني مسلم، وصنفتها الهيئات القضائية الدولية باعتبارها جريمة إبادة جماعية.
ولا شك في أن تقتيل هذا العدد الكبير من المدنيين في وقت واحد وفي المكان ذاته، جريمة بشعة تستحق كل الرفض والإدانة، وتستوجب توقيع أقصى العقوبات على مرتكبيها.
كما أن المشاركة الدولية الواسعة في إحياء هذه الذكرى الأليمة، موقف محمود، يشيع قدراً من الأمل في أن «المجتمع الدولي» قد بدأ يستعيد شيئاً من ضميره الغائب في كثير من القضايا والجرائم الأخرى في بقاع مختلفة من العالم. ومما يحمد كذلك، أن تعترف جمهورية صربيا بهذه المجزرة، وتقدم الاعتذار عنها لأهالي الضحايا، حتى وإن جاء هذا الاعتذار خالياً من لفظ «الإبادة».
لكن ماذا عن جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب وضد الإنسانية، وكل أنواع الجرائم الأخرى التي ارتكبت وما تزال ترتكب في غير مكان من هذا العالم، وخاصة من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، وعلى مدى ستين عاماً متواصلة؟
وإذا كانت جريمة سربرنيتسا قد ارتكبت في منطقة اعتبرتها الأمم المتحدة «منطقة آمنة»، وفي ظل وجود قوات دولية ل«حفظ السلام»، فإن إسرائيل ذاتها قامت بقرار دولي، وما زالت تحظى بالرعاية الدولية الكاملة، في مجلس الأمن الدولي وخارجه، ومع ذلك فهي أول، وآخر، من ينتهك القانون الدولي، ليس ضد الشعب الفلسطيني الواقع تحت احتلالها فحسب، وإنما في المياه الدولية، وفي أي موقع آخر تصله أياديها الإجرامية.
فأين العقوبات الدولية ضدها؟ ولماذا تظل على الدوام فوق القانون وخارج أية محاسبة دولية؟! إن الجريمة لا تتجزأ، كما أن العدالة لا تقبل التجزئة والانتقائية. وما دامت الجريمة ذاتها لا تواجه بالعقوبة نفسها، مهما اختلف المجرم أو موقع ارتكاب جريمته، فإن الكيل بمكاييل مختلفة، ومحاولة تطبيق «عدالة ناقصة»، إذا افترضنا تحققها، لن يمنحا الأمن والسلام للعالم، ولن يعفيا المجتمع الدولي ومجلسه الأممي، من مسؤولياته ومهامه التي أنشئ من أجلها، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة وأهدافها المعلنة.
