«ممتازة»، بهذه الكلمة وصف الرئيس أوباما المحادثات التي أجراها مع رئيس وزراء إسرائيل. وبهذه الكلمة أراد أن يؤكد على طي صفحة التوتر والخلاف والبرودة التي اتسمت بها العلاقات بينه وبين نتانياهو، والتي وصلت إلى القعر في قمة مارس الماضي. القمة التي غابت عنها الصور، وغاب عنها المؤتمر الصحافي.
وللتذكير فإن هذه القمة المؤجلة منذ أول يونيو بعد العدوان الإسرائيلي على أسطول الحرية تمثل اللقاء الخامس بينهما. رفع سقف المطالب من إسرائيل التي بدأ بها الرئيس أوباما ولايته لتسوية النزاع العربي الإسرائيلي، والذي سرعان ما انخفض، والمواجهة مع نتانياهو حول مسألة الاستيطان، خلقا حالة غير طبيعية أو استثنائية في العلاقات على مستوى القمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل دون أن يعني ذلك أن الصدام الشخصي قد انعكس على مجمل العلاقات بين الدولتين الحليفتين وعلى خصوصية العلاقات التي تجمع بينهما، في ما يتعلق بالمضمون وبالسياق العام، ولو أن بعض البرودة طالت في حالات معينة التعبير عن هذه العلاقات.
نتانياهو هذه المرة جاء محصنا بالعديد من «الأوراق»: أولاً لا مفاجأة من نوع البناء أو الإعلان عن البناء الاستيطاني يواكب المحادثات. ثانياً، أبقى في يده حتى إشعار آخر قرار تمديد التجميد للبناء الاستيطاني قبل إعادة هذا القرار إلى الكنيست.
ثالثاً، قدم لأوباما «هدية» قوامها تخفيف الحصار عن غزة و«هدية أخرى» قوامها تخفيف بعض الإجراءات الأمنية في الضفة الغربية، وهي هدايا بسيطة وواعدة وكافية، خاصة اذا ما أراد الطرفان المعنيان، كما حصل، اعتبارها بمثابة مخرج لأحداث تحول في العلاقات وإعادة الحرارة إليها وإخراج هذه العلاقات من «حفرة» البرودة والتوتر، رابعاً.
يأتي اللقاء عشية انتخابات منتصف الولاية بالنسبة للرئيس الأميركي في الخريف المقبل وما تتطلبه تلك الانتخابات من قبل الحزب الديمقراطي في الحفاظ على أصوات اللوبي المؤيد لإسرائيل. خامساً، سمحت الأزمة الأميركية الإيرانية المتصاعدة بتعزيز اللحمة بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي، والتأكيد على «الخطر الإيراني».
ذلك كله دفع الرئيس الأميركي للدعوة إلى استئناف المفاوضات المباشرة خلال الأشهر الثلاثة؛ أي قبل انتهاء فترة تجميد الاستيطان باعتبار انه سيكون من الصعب، هذا اذا ما رغب في ذلك، على نتانياهو تجديد التجميد المؤقت اذا ما لم يتم الحصول على «مقابل».
وهو المفاوضات المباشرة يستطيع ان يبيعه إلى الشركاء في حكومته، مع التذكير ان الجميع يتفق ولو من مواقع ولأسباب متناقضة عن عدم تحقيق أي تقدم في المفاوضات غير المباشرة رغم الدبلوماسية المكوكية بجولاتها العشرين للمبعوث الرئاسي الأميركي جوج ميتشل.
كما ان سبتمبر سيكون موعد القرار العربي بانتهاء فترة السماح أو التجربة للمحادثات غير المباشرة والذهاب بعدها في حال الفشل إلى مجلس الأمن لطرح القضية برمتها على المسوؤل الأول عن الأمن والسلم الدوليين.
لم يكن الموقف الأميركي مفاجئاً، لورود إشارات كثيرة حول ذلك في الفترة الأخيرة، أهمها دون شك اللقاء بين رئيس الوزراء الفلسطيني ووزير الدفاع الإسرائيلي «بتشجيع» من ميتشل، لكنه أحدث إرباكاً عربياً وفلسطينياً باعتبار ان السلطة الفلسطينية علقت المشاركة في المحادثات المباشرة قبل عام ونصف العام تقريباً، وقالت انها لن تعود إليها قبل الوقف الكلي للاستيطان.
الإرباك العربي والفلسطيني يندرج تحت عنوان: ما العمل الآن طالما ارتضينا ان نركب سيارة تقودها وتحدد سرعتها واشنطن وحدها؟ ولو أننا كعرب وكفلسطينيين ننتقد بين الحين والآخر وجهة السير والسرعة دون ان نحاول التأثير الفعلي فيهما.
باختصار، سيكون عنوان المرحلة المقبلة من التفاعلات الدبلوماسية الدولية الاقليمية العربية كيفية إخراج الانتقال نحو المفاوضات المباشرة دون أحداث إصابة كبرى بالعرب والفلسطينيين، أو دون إحراجهم بشكل كبير، أو بواسطة تخفيف الإحراج قدر الإمكان، خاصة ان الإحراج يعني مزيدا من الاحتقان في الداخل وفقدان المصداقية في الداخل والخارج، ويؤدي دائما إلى مزيد من الضعف والتهميش الداخلي وتعزيز الفراغ العربي والفلسطيني.
السلطة الفلسطينية طلبت من جديد عقد اجتماع للجنة المتابعة العربية وتحميل العرب أو إشراكهم في مسؤولية الخطوة المقبلة، وصار هذا النوع من الاجتماعات سمة في الإخراج العربي الفلسطيني المشترك على كل مفترق طريق هدفه إغراق السمكة الفلسطينية في المياه العربية، والحصول على دعم عربي ولو كان فضفاضاً وغامضاً، فهو يبقى بمثابة غطاء لا بد منه.
وبدأنا نسمع عن أفكار أوروبية وغربية للمفاوضات المباشرة المقبلة، وعن مؤتمر دولي يبلور هذه الأفكار التي تأتي تحت عنوان التحضير لإعلان دولة فلسطينية خلال عامين، أو إعلان إقامة الدولة كأمر واقع.
وهو عنوان أيضاً «المقاربة الفياضية»، نسبة لرئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض، التي تبقى محط اختلاف كبير في البيت الفلسطيني، اذ فيما لو تم الإعلان عن الدولة فإن ذلك يحول طبيعة الصراع وسياقه ويحرر إسرائيل من الكثير من مسؤوليات الاحتلال.
البعض أيضاً ـ كما تقوم روسيا بتأييد من عدد من القوى الدولية ـ يدعو إلى اجتماع للجنة المتابعة العربية مع الرباعية الدولية على هامش انطلاق أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل لبلورة أفكار مشتركة والعمل على إحياء خيار انابوليس 2، أو المؤتمر الدولي في موسكو الذي طال انتظاره منذ انعقاد مؤتمر انابوليس.
وذلك لمواكبة إعادة إطلاق المفاوضات المباشرة والشاملة، في حين ان الكل يدرك أن «التهديد» العربي باللجوء إلى مجلس الأمن أمامه شرطان ضروريان لتوفير المصداقية والنجاح له، وهما غير متوافرين حالياً، كما لا توجد مؤشرات على توافرهما في زمن منظور:
أولهما وجود توافق عربي ليس بشأن المبدأ والزمن المفتوح للذهاب إلى مجلس الأمن، فالكثير من الدول العربية الفاعلة تريد بأي ثمن تلافي الدخول في مواجهة دبلوماسية محتملة مع الولايات المتحدة التي قد تهدد باللجوء إلى استعمال حق النقض لمنع التدويل الأممي.
كاتب لبناني