اليوم هو الأخير من شهر كامل، عاش خلاله مليارات البشر حول العالم، في متابعة أحداث المونديال الجنوب إفريقي الذي سيصل محطته النهائية الليلة، إما بحصول هولندا أو إسبانيا على الكأس الذهبية، التي ستكون بمثابة تتويج لرحلة من الجهد والعرق للمنتخب الفائز، وانعكاس لمسيرة طويلة من التخطيط، ليس للمدربين وحدهم، وانما لجهاز كامل من الاداريين، الذين تتحول أفكارهم واجتهاداتهم إلى ركلات موفقة بأقدام اللاعبين.
فلم تعد كرة القدم مجرد لعبة شعبية يعشقها ملايين الناس فقط، وانما أضحت عملا متكاملا، يكشف عن مدى ما وصلت إليه الأمم والشعوب في ميادين شتى، وربما تكون الخطط الكروية التي تجعل من هذا الفريق أو ذاك يخرج من الملعب منتصرا على خصمه، النغمة الأخيرة، في مقطوعة موسيقية شارك في تقديمها العديد من العازفين.
الساحرة التي استحوذت على قلوب الناس، لم تعد إذن كرة مستديرة يلهث خلفها عدد من اللاعبين من أصحاب البنية الجسمانية والمهارات الكروية في المراوغة والتسديد، وهز الشباك في معركة حامية لتحقيق نصر على الخصوم من دون إطلاق رصاصة واحدة، وان سالت في بعض الأحيان الدماء على العشب الأخضر، من فرط الحماسة، والرغبة في الفوز في نهاية كل مباراة.
نعم هناك اتهامات للساسة باستغلال هذه اللعبة الشعبية الأولى في العالم لإلهاء الشعوب، وخاصة في دول العالم الثالث، لتمرير سياساتهم الفاشلة، لكن ماذا نقول عن الدول المتقدمة، التي يجري ساستها خلف منتخباتهم القومية لمؤازرتها، ونيل شرف الظهور في المدرجات كأي مشجع عادي يتفاعل مع كل هدف يحرزه فريقه، أو إخفاقة يقع فيها هذا اللاعب أو ذاك، هل مل هؤلاء في حاجة إلى الهاء شعوبهم التي شبت عن الطوق واتت بهم إلى مقاعد الحكم بانتخابات حرة ونزيهة، لا يعرف التزوير إليها سبيلا؟
في تقدير البعض انها الغيرة من كرة القدم التي شغلت الناس، عن الاهتمام بالساسة وألاعيبهم، فجرى هؤلاء الساسة وراء أصحابها، لنيل شرف الظهور في المشهد الكروي المتسيد للساحة، خاصة عندما نتحدث عن كأس العالم الذي تشارك فيه عادة أقوى المنتخبات على مستوى العالم، وهي ذات الغيرة التي تجعل من بعض المثقفين، يرون في كرة القدم خصما يأكل ما تبقى لهم من هامش تواصل مع الناس في أوقات الذروة الكروية مثل المونديال ونهائيات المباريات القارية، وما إليها من بطولات تجذب اهتمام المشجعين الذين لا يعيرون اهتماما لسواها من الأحداث.
وفي ظل الضغوط الحياتية التي تمر بها غالبية شعوب الأرض، باتت كرة القدم المعالج النفسي لمن أكلهم الإحباط، وتغلب عليهم الاكتئاب، فراحوا ينفسون عن ما بداخلهم من مشاعر مكبوتة، فيما يشبه الصراخ في حالة هستيرية ربما تخفف الأعباء التي كانت سببا في وصول البعض إلى حالة أشبه بالمرض النفسي، وهي واحدة من فوائد متابعة مباريات كرة القدم في نظر بعض أطباء الصحة النفسية.
كما أن كرة القدم قد تكون حافزا أحياناً لبعض الأمم والشعوب للتحرك، ونفض غبار الكسل، والتقاعس، والنزول إلى حلبة المنافسة، في ميادين أخرى غير ميادين الرياضة، لتحقيق بعض الآمال والتطلعات، وهو شيء ايجابي لو أحسن استثماره، في فتح آفاق جديدة، لإظهار المهارات والقدرات المعطلة، في هذا البلد أو ذاك.
ولا ننسى فائدة المنافسات الرياضية عموماً، وكرة القدم خصوصاً، في زرع روح الولاء والانتماء إلى الأوطان، وخلق حالة من تقاسم المشاعر في أبناء البلد الواحد، بما يساعد على تقليل حالات الاحتقان بين طوائف المجتمع، خاصة في البلدان التي تضم العديد من أصحاب الأعراق والأديان والمذاهب المختلفة.
فليتخلى البعض عن غيرته من كرة القدم، ولينظر من ناصبوها العداء بعين غير كليلة إليها، فهي، شئنا أم أبينا، تملكت القلوب.