عاد الحديث عن الفساد في روسيا يتصاعد في الآونة الأخيرة، وخاصة على ألسنة كبار المسؤولين، بما فيهم رئيس الدولة ديمتري ميدفيديف، والذي وجه اتهامات للعديد من الجهات الحكومية والقائمين عليها بالفساد، وكانت روسيا قد شهدت في تسعينات القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي حالة من الفساد العام في كافة جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية والعلمية، وأيضا الاجتماعية، وتغلغل الفساد بشكل كبير في أجهزة الدولة وسط كبار الموظفين.

كما انتشر بشكل أكبر في الأجهزة الأمنية، حتى أصبح قانون عصابات المافيا هو السائد وقوانين الدولة لا قيمة لها، وانتشرت الجريمة بشكل لم يسبق له مثيل، وبشكل كان يخيف الأجانب كثيرا ويجعلهم لا يفكرون في السفر لروسيا.

وخاصة المستثمرين الأجانب الذين كانوا يواجهون في روسيا عصابات المافيا بشكل مباشر، حيث كانت هذه العصابات تفرض عليهم ما يشبه الإتاوات أو الفدية الشهرية مقابل عدم المساس بحياتهم وأعمالهم، الأمر الذي جعل الاستثمار الأجنبي في روسيا شبه معدوم حتى أواخر التسعينات الماضية.

عندما تولى فلاديمير بوتين رئاسة روسيا وضع مشكلة الفساد في روسيا وتأثيرَها على حركة الاستثمارات في البلاد على أولوية اهتماماته، ونجح بوتين إلى حد كبير في مواجهة الفساد داخل أجهزة الأمن وتصفيته، واستقر الأمن في معظم مدن روسيا باستثناء منطقة شمال القوقاز التي شهدت ومازالت تشهد أحداثا إرهابية من متطرفين وانفصاليين وجماعات أخرى.

بمرور الوقت بدأت الاستثمارات الأجنبية تتوافد على روسيا بشكل ملحوظ، ولكن، وحسب تقدير الخبراء، ليس على مستوى الفرص الكبيرة المتاحة للمستثمرين في روسيا، فقد وفرت الدولة إمكانيات كبيرة للمستثمرين ألأجانب وفتحت لهم مجالات للاستثمار كانت مغلقة وقاصرة على الروس فقط، كما وضعت الدولة قاعدة تشريعية للاستثمارات الأجنبية لا بأس بها.

وتضمن حقوق المستثمرين وتطمئنهم على أنشطتهم وعائداتهم منها، ورغم كل هذا مازالت شكوى المستثمرون الأجانب من مشكلة الفساد قائمة ومتصاعدة، ويقول معظم المستثمرين الأجانب في روسيا أنهم لم يلاحظوا حتى الآن أية نتائجَ للجهود التي تبذلها السلطات الروسية لمكافحة الفساد.

حيث الرشوة لا تزال على قدمٍ وساق، خاصة في الدوائر الحكومية التي يتعامل معها المستثمرون، ووصل الأمر من السخرية من البعض أن قدموا اقتراحا للبرلمان الروسي يطالبون فيه بتحديد قيمة الرشوة المطلوبة في أجهزة الدولة حتى لا يتمادى البعض ويبالغ في طلباته.

على الرغم من ذلك كله لم تتدن جاذبية السوق الروسية لدى المستثمرين الأجانب، حيث 80 % من الشركات الأجنبية تؤكد أنها ستزيد استثماراتها في غضون سنتين أو ثلاث، حيث أن السوق الروسيةَ باتساعها وطاقتها الكبيرة تجذب المستثمرين الأجانب.

ويلاحَظ ازدياد عدد الشركات الكبرى التي تثق باستقرار السوق الروسية في المستقبل القريب، إلا أن جهات عديدة تتخوف من احتمالات الوضع على المدى البعيد، وترى الخبيرة الروسية يوليا تسيبلايفا أن الاستثمارات الأجنبية كانت ستزداد لولا مشكلة الفساد. أما الخبيرة يلينا بانفيلوفا فتعيد إلى الأذهان أن مكافحة الفساد كانت بنداً أساسيا في حملة الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف أثناء الانتخابات الرئاسية.

عموما فإنه بغض النظر عن إقرار قانون مكافحة الفساد والحد من عمليات التفتيش على الشركات، لم يشهد الوضع تحسناً يذكر حتى الآن. ومن جانبه يعترف ممثل وزارة التنمية الاقتصادية سيرغي بيلياكوف بأن تقليص عدد الحواجز الإدارية من أجل تقليل تعامل المستثمرين مع الموظفين غير كاف، ويدعو رجال الأعمال إلى الكف عن استخدام الرشوة في حل مشاكلهم.

صحيفة «فيدوموست» الروسية