باتت إعادة التوازن في السياسة الخارجية التركية والعودة إلى الشرق والعالم الإسلامي، من المسلمات التي أصبح الغرب مقتنعاً بها في نظرته إلى تركيا، بسبب أزمة العلاقات التركية ـ الإسرائيلية، التي تفجرت في خريف سنة 2009، حين قررت أنقرة إلغاء مشاركة الكيان الصهيوني في التدريبات العسكرية الجوية، أولاً، وجراء العدوان الإسرائيلي على أسطول الحرية الحامل لمساعدات غذائية وطبية لقطاع غزة في 31 مايو الماضي، ثانياً.

قرار السياسة الخارجية التركية بخوض معركة كسر الحصار المفروض على غزة، كانت له تداعيات كبيرة، إذ تحولت تركيا من أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل سنة 1949، وتوقع معها اتفاقا للتعاون العسكري الاستراتيجي في فبراير 1996، إلى خصم لدود لإسرائيل.

يشهد على ذلك الموقف الشجاع الذي اتخذه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، حين كسّر «التابو» الغربي، ووصف الهجوم الإسرائيلي على «أسطول الحرية» بأنه «إرهاب دولة»، معتبرا في الوقت عينه أن حركة «حماس» ليست منظمة إرهابية، وإنما هي حركة مقاومة شرعية تناضل لاستعادة أرضها.

بيد أن التحول الأبرز في الدبلوماسية التركية، تمثل في تصويت تركيا في مجلس الأمن ضد القرار 1929 الذي يفرض عقوبات قاسية جديدة على إيران، بسبب برنامجها النووي، حيث تبنت إدارة الرئيس الاميركي باراك أوباما، ومعها الدول الغربية الأخرى، استراتيجية منع إيران بكل الوسائل من امتلاك السلاح النووي.

وليست هذه هي المرّة الأولى التي تتخذ فيها حكومة أردوغان قراراً كبيراً وخطيراً، له تداعيات إقليمية في منطقة الشرق الأوسط كلها. فقبل اندلاع الحرب الأنجلو سكسونية على العراق في 19 مارس 2003، رفضت الحكومة التركية استخدام أراضيها لاحتلال العراق، رغم أن تركيا عضو دائم في حلف شمال الأطلسي، وتربطها بالولايات المتحدة الأميركية علاقات استراتيجية على درجة عالية، نسبيا، من المتانة سياسيا وعسكريا واقتصاديا، طيلة مرحلة الحرب الباردة (1945-1991)، التي لعبت فيها تركيا وفي نتيجتها دوراً أساسياً، بحكم موقعها الجغرافي، في محاصرة الاتحاد السوفيتي السابق.

ومنذ أحداث 11 سبتمبر 2001 أصبح «الشرق الأوسط الكبير»، الذي يمتد من باكستان إلى المغرب مرورا بالقرن الإفريقي، مسرحاً حقيقياً للحروب الأميركية في أفغانستان والعراق، وللحروب الإسرائيلية في لبنان وغزة، تجسيداً لمشروع «القرن الأميركي الجديد»، الذي نشأ من تحالف المحافظين الجدد والمركب الصناعي العسكري الأميركي واليمين الفاشي الإسرائيلي المتمثل بحزب الليكود، من أجل دعم الاستراتيجية الأميركية، التي تقوم على فرض نظام إقليمي شرق أوسطي أمني وعسكري، تحتل فيه إسرائيل مركز الريادة.

هذه الحروب العبثية المتعددة، لا يمكن لأي دولة مجاورة ألاّ تهتم بإسقاطاتها المدمرّة على أوضاعها الداخلية، ولا سيما تركيا، حيث يشكل حزب العمال الكردستاني تحدياً كبيراً لها، نظراً لتخوفها من صيرورة استقلال دولة كرديّة في شمال العراق، يُمكنُه أن يؤدّي في نهاية المطاف إلى استقلالٍ كرديٍّ مماثل في جنوب شرق تركيا.

المتتبع للمواقف التركية منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في أنقرة سنة 2002، يلمس بوضوح مجموعة من التحولات في السياسة الخارجية التركية، من خلال تصالح تركيا مع عمقها الاستراتيجي، وتوسيع نفوذها الإقليمي في العالمين العربي والإسلامي.

وفي هذا السياق يأتي توقيع اتفاق التعاون الاستراتيجي بين تركيا وسوريا، في ظل التأييد السوري القوي للدور الإقليمي لتركيا، ولا سيما أن أنقرة لعبت دور الوسيط في المفاوضات السورية غير المباشرة مع إسرائيل، وكذلك احتدام أزمة العلاقات التركية ـ الإسرائيلية، وشعور تركيا بالإحباط نتاج العقبات التي تزداد في وجهها لكي تدخل إلى الاتحاد الأوروبي.

وتخوفها من التعاطف الغربي مع الأقلية الكردية في تركيا، وإصرار بعض الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة، على اعتبار المجازر التي تعرض لها الأرمن سنة 1915 بمنزلة «حرب إبادة»، إضافة إلى السياسة الخارجية التركية التي تستهدف القيام بدور إقليمي ودولي أكبر ومستقل.. وهذه العوامل مجتمعة، أوصلت علاقات تركيا مع الغرب إلى مفترق.

وهذا ما جعل الغرب يتساءل هل أنه بصدد خسارة تركيا؟

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org