متوالية الرعب تدق بأطناب النحس وريح السموم في بلاد الرافدين.. أدواتها قنابل ناسفة ورصاصات غادرة واغتيالات في رابعة النهار، وتفجيرات في كل الانحاء لاتفرق ولاتذر، وبلا هوادة تنشر الفناء، وكأن القوم لايجمعهم جامع، ومن ثم فلا سبيل الا الخسف والعسف من اجل اثبات القدرة على الامساك بالزمام.

ولا رأي يعلو على صوت العويل في هذا المشهد الدامي الذي يسترجع تاريخ الفتن من ماضيات الايام متلحفا بعباءة سوداء نسجت من طائفية رعناء وقومية في غير محلها، وتطرف هنا وهناك توجهه الاهواء كلما رغب طرف ان ينفخ في النار المشتعلة ليزيدها أوارا متوهما انه سيعيش في دفئها، في حين أنها ستأكله في طريقها وهي ماضية في حرقها للاخضر واليابس في بلاد طالما افتخرت بنخلها الباسق.

مشهد الدماء المسفوحة بين حنايا أرض دجلة والفرات يعطينا النبأ اليقين بأن الاستقرار بعيد المنال مادام الحال الدائر بين أطياف الحكم، مثلما نرى ونسمع، وأنه من عجب العجاب أن تتوالى الاحداث بهذا النهج العنيف في حين مازال قادة الاحزاب ورؤساء الطوائف مختلفين على تشكيل الحكومة، وكأن الحال وصل مرحلة من الترف ورغد الأمن بحيث ليس ثمة حاجة للمسارعة إلى تنظيم آليات الحكم وترتيب البيت الداخلي ومواجهة الاستحقاقات، التي ليس أقلها الاحتلال وماترتب عليه من نتائج ولا آخرها هذا الحراك في دول الجوار الذي لاهوادة فيه، ولاسبيل لتجنب آثاره على صلب العملية السياسية في العراق.

وبعد أن كان الحديث عن خلاف بين المالكي وعلاوي على ترؤس الوزارة، إذا بنا نذهب إلى همهمات سرعان ما تحولت ضجيجا عن الرئاسات الثلاث، التي دخلت في سباق التسخين والتدوال بين الفرقاء مما ينبيء باستمرار مرحلة الحرج السياسي بكل تفاعلاته الميدانية وحوارته الاقرب إلى الطرشان، ليضاف إلى الواقع الهش الذي لا برهة فيه لشاردة أمل بانفراج قريب.

إن أحداث الاربعاء الماضي الدامية هي مسؤولية كل متعنت متمسك برأيه يرى نفسه عين الصواب وسواه مجانب لجادة الحق، في حين أن الحقيقة الجلية الظاهرة تؤكد بأن الشعب هو الضحية الوحيدة، وإلى أوان لاتعرف له نهاية.