طالما أن حديث الوحدة مثير، فلا بأس من الاستزادة فيه لتنجلي الصورة. ولابد من القول إن الوحدة هي حلم السواد الأعظم من أبناء الأمة العربية، الذين تربطهم علاقات التاريخ والدين والامتداد الجغرافي، فضلاً عن اللغة الواحدة.
فهذه القواسم المشتركة، هي بلا شك الأرضية القوية التي يمكن البناء عليها، لتأسيس وحدة سياسية قوية مرهوبة الجانب، تكون منطلقاً لنهضة شاملة، تجعل للعرب شأناً في «دنيا» القرن الحادي والعشرين، المبني على التكتلات الاقتصادية الضخمة.
غير أن هذا الحلم الذي بات بعيد المنال، هو حلم يختلف في تصوره جماهير العرب، في مشارق الوطن العربي ومغاربه، وعلى وجه الخصوص الفئة المثقفة بينهم، إذ إن قرناً من انهيار الدولة العثمانية تقريباً، وقروناً من حكمها «الاسمي» لأقاليم البلاد العربية، كانت كفيلة بظهور الأسس المادية للدولة العربية القُطرية الحالية.
بحدودها السياسية وبشخصية كل دولة فيها، وبالتالي لتتغير الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي يتم من خلالها الحديث عن الوحدة العربية. اللهم إلا إذا كان الحديث «دغدغة للعواطف»، وكسباً سياسياً رخيصاً ما يلبث أن يصطدم بالواقع!
ولعل من يطالبون بإقامة دولة عربية تمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، هم أكثر الحالمين بعداً عن الواقع، ولا أظن أن الكثيرين يحملون كلامهم على محمل الجد. وأغلب الظن أن هؤلاء هم بعض المثقفين من بقايا القوميين، أو من الجماعات الإسلامية التي توسع مفهوم الوحدة ليشمل كافة الأقطار الإسلامية.
غير أن السواد الأعظم من العرب، جماهير ومثقفين، هم مع أوثق العلاقات بين أقطار الوطن العربي. هم مع علاقات اقتصادية متينة، ومشاريع مشتركة، وطرق مواصلات تربط بين الأجزاء الواسعة من هذا الوطن المترامي الأطراف.
ويباركون كل خطوة فيها تقارب سياسي بين الدول العربية، ويتمنون أن تأخذ «الجامعة العربية» دوراً فاعلاً ومؤثراً في حل الخلافات بين دوله، وأن تكون له «قوة ذات أنياب» لتردع تلك الخلافات وتئد الفتن وهي في المهد. باختصار؛ إن هذه الجماهير مع كافة أشكال التواصل والتكامل الاقتصادي والسياسي والثقافي العربي.
وثمة آخرون من مثقفين وغيرهم، يطالبون بوحدات إقليمية لدول عربية تتشابه في بناها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي ظروفها التاريخية. ولعل «واقعية» هؤلاء السياسية قد تمخضت عن فشل التجارب الوحدوية وما تبعها من مرارات، خاصة أن من قاد تلك التجارب كانت نظماً وأحزاباً قومية، جاءت إلى السلطة رافعة شعار تحقيق الوحدة العربية!
كم شعر هؤلاء بالأسى حينما رأوا «الانفصال» في العام 1963، وكم شعروا بالحزن حينما أخفق «حزب قومي واحد» كان يحكم بلدين عربيين متجاورين، في تحقيق الوحدة في ما بينهما قبل ثلاثة عقود! وهم بلا شك في كرب عظيم هذه الأيام، وأحداث اليمن ماثلة بين ناظريهم.
والأرجح أن قسماً كبيراً من هؤلاء مع الوحدة بمفهومها العملي، فهم «يريدون العنب وليس الناطور». فغاية آمال هؤلاء أن تكون ثمة «دول عربية مستقلة ذات سيادية»، غير أنها ترتبط في منظومة واحدة تنسق في ما بينها في مختلف شؤونها، سواء في أنظمة وقوانين، أو في مواقف سياسية واقتصادية وغيرها.
يطمح هؤلاء إلى مزيد من «الاندماج» التطوري العضوي، الذي يجعل من الوحدة واقعاً اجتماعياً وسياسياً، وليس مجرد شعارات تزدان بها الجدران والشوارع وتردد في الأناشيد والأغاني.
تجربتان نجحتا إلى الآن في هذا الإطار، أولاهما هي تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة والتي انطلقت قبل أربعة عقود، والأخرى قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربي.
لا نحتاج إلى جهد كبير لتوضيح ما حققته دولة الإمارات ـ وهي «دولة اتحادية بمعنى الكلمة» ـ من رقي وتقدم على جميع الأصعدة، فقد كان هذا «الاتحاد» خيراً عميماً على أبنائه، ومثالاً يحتذى لكثير من الدول العربية التي تعيش تمزقات اجتماعية وسياسية، وهي في أمس الحاجة إلى النظام الاتحادي الفيدرالي «الحقيقي» لتستعيد عافيتها.
أما التجربة الأخرى، وهي مختلفة، فهي منظومة مجلس التعاون التي انطلقت قبل ثلاثة عقود. فهذا «المجلس» الذي يضم دول إقليم الخليج العربي، ما زال قائماً وصمد أمام امتحانات كثيرة ليتجاوزها ويثبت أنه تجمع قادر على التطور، ولو ببطءٍ كبير أقل بكثير من آمال شعوبه، وهو أمامه شوط طويل ليقطعه.
وربما تكون التحديات التي تواجه المنطقة والمتغيرات الدولية، حافزاً لمزيد من التقارب والتنسيق بين دوله ضمن إطار منظومته.
والجميل في هذا المجلس، أن من لا يوافق على سياسة معينة من سياساته فهو حر في ذلك، شأن موقف سلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة من مشروع العملة الخليجية الموحدة، أو موقف الكويت من الاتفاقية الأمنية سابقاً.. وغير ذلك.
فعامل الزمن والعمل المشترك، هما الكفيلان فقط بخلق القناعات المشتركة، ليكونا قاعدة راسخة نحو الاندماج والوحدة.
كاتب وأكاديمي كويتي
alyusefi@hotmail.com
