الضربة المتوقعة التي وجهها الرئيس الأميركي باراك أوباما لدفة السفينة في حرب أفغانستان، والتي كان يمسك بها الجنرال ستانلي ماكريستال قائد القوات الأميركية في أفغانستان، قبل أن يقيله الرئيس أوباما مؤخرا على خلفية تصريحات أدلى بها لمجلة أميركية، تلك الضربة ترجمت على أرض الواقع في خطة تتكون من مرحلتين.
وتقوم في المقام الأول على زيادة معتبرة في حجم القوات العاملة في هذا البد الآسيوي، الذي يعاني منذ عقود من الحروب، لكن ضمن برنامج زمني يمتد من الآن وحتى عام 2011 المقبل، وذلك كي يتسنى البدء في عملية ما يسمى بـ «الأفغنة»، التي تعد في أحسن الأحوال بمثابة نوع من التلطيف لعبارة تزيين فكرة البدء بسحب جنود الحلفاء من أفغانستان، لأنه كان من المأمول أن يتمكن الأفغان أنفسهم من تحمل مسؤولية ضبط الوضع الأمني والعسكري في بلادهم.
وإذا ثبتت صحة توقعات قادة حلف شمال الأطلسي «ناتو»، في ما يتعلق بارتفاع عدد الخسائر في الأرواح ووصولها إلى 25% في صفوف جنود القوات الدولية، العاملة في أفغانستان خلال هذا العام، فإن ذلك يعني فيما يعنيه أن الأمور في واقع الأمر بعيدة كل البعد عن أن تكون كما خططوا لها على الورق في بداية الحرب.
لكن للزمن حضوره وسيقول كلمته حين يحين الوقت المناسب، وسينبئ بحقيقة ما إذا كانت إقالة الجنرال ماكريستال الدراماتيكية، جاءت فقط لاعتبارات تتعلق بتصريحاته عديمة التبصر إن لم تكن متهورة، أم أن ثمة تباعدا حقيقيا بين «السياسيين في واشنطن» من جهة، وبين الاحتياجات الحقيقية لكسب الحرب على أرض الواقع الأفغانية من الجهة الأخرى.
وذلك لأن مجرد التفكير في أي نوع من الـ «أفغنة»، يعتبر في حد ذاته ضربا من الجنون والحماقة، في ظل تصاعد نشاطات حركة طالبان، التي باتت تسيطر على أجزاء كبيرة من الأراضي الأفغانية.
في هذا السياق، لا بد من التذكير بأن أفغانستان كانت دائما بلدا معقدا إلى حد كبير، من وجهة النظر العسكرية والأمنية، لكن هذا التعقيد الكبير أصلا، بدأ يصبح في الآونة الأخيرة أكثر من مقلق، في ظل واقع يشي بأن أقوى تحالف عسكري في الكون، لم يتمكن حتى الآن من فرض وضع مناسب له على الإطلاق، رغم مرور نحو عشر سنوات من العمليات العسكرية الطاحنة والمتتالية والحشد العسكري المتعاظم.
حرب أفغانستان تم التلاعب بها من قبل جميع الحكومات، وبعضها على غرار الحكومة الإسبانية، على سبيل المثال، لا يزال يقاوم على الصعيد الرسمي حتى مجرد الإشارة إلى كلمة «حرب»، بينما استمرت سياسة البخل والتقتير على صعيد رفد الجهد العسكري الحليف بمزيد من القوات، والتي سمحت لحركة طالبان بأن تعيد تنظيم صفوفها وتستعيد قواها.
وبالتالي، فإنه إذا تبين أن تلك التوقعات صحيحة حقا، فإنه سيتعين على البعض الوقوف والتأمل عندما يستقبلون نعوش قتلاهم العائدين من عش الدبابير المهلك في أفغانستان.