انشغلت مؤخرا بمتابعة حدثين قد يبدو للوهلة الأولى وكأن لا علاقة بينهما، رغم أنهما يرتبطان ارتباطا وثيقا. الأول كان المفاوضات الجارية في مجلس النواب الأميركي، بشأن الموافقة على التمويل الإضافي الذي طلبه أوباما لقواته في أفغانستان، والثانى هو وقائع قمة العشرين.
فبعد أن كان مجلس الشيوخ الأميركي قد وافق على مطلب أوباما بتوفير 33 مليار دولار إضافية، لتمويل العمليات العسكرية في أفغانستان، ظل الموضوع يلقى تعثرا في مجلس النواب، حتى تم تمريره الخميس الماضى بأغلبية كبيرة.
لكن الشيطان يكمن في التفاصيل كما يقولون، ذلك أن مجريات العمل داخل المجلس وكيفية تمرير المشروع، تعكس تحولا مهما مؤداه ازدياد المعارضة الصريحة للحرب في أفغانستان، داخل حزب الرئيس نفسه.
ويقود المعارضة لاستمرار الاحتلال الأميركي لأفغانستان، تجمعات ثلاثة داخل مجلس النواب. الأول، تجمع أنشأه في مايو 2009 النائب الإفريقي الأميركي المخضرم جون كونيرز، يعرف باسم «الخروج من أفغانستان»، على غرار تجمع آخر سبق أن شارك الرجل في إنشائه باسم «الخروج من العراق».
أما التجمع الثاني فهو تجمع النواب المنتمين لأصول إفريقية، والذي ترأسه حاليا النائبة باربرا لي، التي كانت بالمناسبة هي الوحيدة التي صوتت في 2001 ضد قرار غزو أفغانستان. وباربرا لي نفسها عضو في التجمع الثالث المناهض للاحتلال، وهو «تجمع الأعضاء التقدميين».
وقد كثفت التجمعات الثلاثة عملها في الفترة السابقة على مرور المشروع، على المستوى الإعلامي والتشريعي معا، مستغلين واقعة إقالة الجنرال ماكريستال التي أعادت موضوع أفغانستان لصدارة التغطية الإعلامية.
فقد صدرت عن لين وولزي رئيسة تجمع النواب التقدميين، تصريحات قالت فيها إن «ما نحتاجه في أفغانستان، هو تغيير السياسة لا فقط تغيير القادة«، وأضافت أن الحرب في أفغانستان عبارة عن «فوضى لا يمكن الانتصار فيها».
أما باربرا لي رئيسة تجمع النواب ذوي الأصول الإفريقية، فقد قالت إنه «قد مر على دخولنا أفغانستان ما يربو على العقد، ومع ذلك فإننا لسنا متأكدين بعد لماذا نحن موجودون هناك أصلا، ولا نحن قادرون على تعريف ما هي بالضبط المهمة الناجحة».
ثم أرسلت النائبة الديمقراطية خطابا لأوباما، انتقدت فيه بشدة التصريحات المتناقضة لمسؤولي إدارته، والتي تكشف عن عدم التزام العسكريين بموعد الانسحاب الذي أعلنه الرئيس. وفي نهاية خطابها طالبت الرئيس بأن يتقدم للكونغرس بخطة واضحة «لا تتضمن فقط موعدا لبدء الانسحاب، بل موعدا لنهايته، واستراتيجية واضحة لتحقيق ذلك».
أما على المستوى التشريعي فقد تحرك الأعضاء في أكثر من اتجاه، كان أولها محاولة لإقناع أو ربما إحراج الجمهوريين المؤيدين للحرب، بدعوتهم علنا للتصويت ضد المزيد من التمويل للعمليات العسكرية «إذا كانوا فعلا يريدون سد العجز في الموازنة والحد من الدين العام».
أما ثاني التحركات فهو تقديم النواب لتعديلات عدة للمشروع، كان أحدها يقضي بقصر إنفاق الـ 33 ملياراً التي طلبها أوباما، على تمويل الانسحاب لا على القيام بعمليات عسكرية.
غير أن التعديل الأهم دلالة، كان ذلك الذي يقضي بإجبار أوباما على تقديم تقرير استخباراتي جديد للكونغرس في الخريف، ثم تقديم خطة في إبريل 2011 تتعلق بتفصيلات الانسحاب. وتكمن أهمية ذلك التعديل في أنه رغم عدم مروره، إلا أنه حظي بتصويت 153 نائبا ديمقراطيا، من أصل 256 هم كل الأعضاء الديمقراطيين في المجلس.
بعبارة أخرى، فإن أغلبية الديمقراطيين كانوا مع ذلك التعديل الذي يصطف بوضوح وراء الانسحاب من أفغانستان، وهي أغلبية تتزايد كل يوم، وتعكس في الحقيقة أغلبية شعبية حاسمة ضد استمرار الاحتلال. يعني ذلك أنه سيكون على أوباما أن يعتمد أكثر فأكثر على خصومه الجمهوريين، للاستمرار في تمويل العمليات العسكرية في أفغانستان، بما يعنيه ذلك من تكلفة سياسية، بل وانتخابية كبيرة بالنسبة للرئيس.
ما علاقة ذلك كله بما جرى في قمة العشرين؟ الإجابة عندي أن العلاقة وثيقة للغاية. فالبيان الختامي للمؤتمر، يجسد بوضوح نوع العولمة الجاري صنعها من تركيبة فريدة من الجشع الرأسمالي والعسكرة معا، ويوضح بجلاء أن المواطن العادي هو الذي يدفع الفاتورة الأعلى في هذا العالم.
فالبيان الذي رفض وضع أية قيود على الشركات العملاقة، ولا حتى على البنوك المسؤولة عن الأزمة المالية العالمية، هو نفسه الذي ألزم الحكومات بخفض عجز موازناتها إلى النصف مع حلول عام 2013.
وحتى تتمكن تلك الحكومات من إحداث ذلك الخفض، في غياب أية ضرائب جديدة على الشركات أو البنوك العملاقة، ودون خفض ميزانية الآلة العسكرية، فإن عليها أن تفعل ذلك عبر طريق واحد، هو عملية تقشف يدفع ثمنها المواطن العادي وحده، لأنها ستطال في الأساس البرامج الاجتماعية؛ من تعليم وصحة ومعاشات، بل وستعني المزيد من تسريح العاملين وبالتالي زيادة البطالة.
لقد كانت العلاقة بين ما جرى في تورونتو وما جرى في الكونغرس، واضحة في البيان الذي أصدره بعض النواب الديمقراطيين في الكونغرس، المعارضين للحرب في أفغانستان. فهم قالوا «إننا إذ نمول تلك الحرب.. فإننا نزيد من عجز الموازنة ونرفع الإنفاق الحكومي.. ونعرض برنامج الضمان الاجتماعي للخطر، ونزيد من الدين الذي يعتبره قادتنا العسكريون التهديد الأول لأمننا القومي».
والعلاقة وثيقة أيضا بين كل ذلك، والقمع الذي تعرض له المتظاهرون الذين تجمعوا ضد قمة العشرين في مدينة تورونتو، والذين وصل عدد المعتقلين منهم إلى ما يربو على الستمائة! فهؤلاء جاءوا يمثلون قوى تسعى لخلق عالم بديل أكثر عدلا وإنسانية، وترفض النظام العالمي القائم الآن على رأسمالية متوحشة وعسكرة للسياسة الدولية، في آن معا.
كاتبة مصرية
