ربما لا يختلف اثنان في جلاء ونصاعة الصورة التي رسمتها المرأة الإماراتية لنفسها في سلم التنمية والعمل الاجتماعي؛ حضوراً ووجوداً ومشاركة وتناولاً لمختلف القضايا التي تهم المجتمع.

وعلى اختلاف مراكز المسؤولية وفضاءات العطاء، وهي صورة تترجمها المناصب التي شغلتها المرأة في شتى الميادين، فكانت في الحقل السياسي وزيرة وسفيرة وبرلمانية، تعرف مناط المسؤولية ومشاق الواجب الوطني، فحملته وأدته على أكمل وجه، وكانت في الحقل الاجتماعي عاملة وموظفة مجتهدة، تطرق أبواب الحياة طبيبة ومهندسة ومعلمة وإعلامية وغيرها الكثير، محققة طموح الوطن فيها.

والمرأة الإماراتية على وجه الخصوص ليست حديثة عهد بمكتسبات الحضارة ومتطلبات النهضة، فلقد أكملت جميع معطياتها، وحققت فيها جميع أهدافها، وأثبتت أنها قادرة على هضم مقومات الحضارة والبناء.

والقيام بما يمليه عليها الواجب نحو الوطن، فكانت خير عون للرجل في إرساء دعائم نهضة الإمارات والوصول بوضع المرأة إلى مصاف الدول الكبيرة، دون أن تنتظر أعواماً وأعواماً لتبحث عن مكان لها. وكل ذلك لم يكن ليتأتى لها، لولا الدعم اللامحدود للقيادة الرشيدة التي عرفت مكانة المرأة وقدراتها، وغرست فيها الثقة فكانت أهلاً لها.

وبالنسبة إلى المرأة الإماراتية، لم تكن طبيعة علاقتها كمربية ومجتمعها كجيل يبحث عن موجه له، بهذا الحجم من الارتباط والحساسية في التناول والطرح بالقدر الذي تحوزه اليوم، لا سيما بعد أن ضربت المرأة الإماراتية بنجاحها أمثلة كثيرة تغمر أفق الحياة يميناً وشمالاً، وأثبتت أنها جديرة بكلمة الثقة الإنسانية الممنوحة لها على كل الأبعاد والمستويات.

إلا أن المسألة لم تنته هنا، والإشكالية لم تكن في يوم من الأيام إثبات حضور المرأة في ميادين العمل الوظيفي، بقدر ما كانت القضية في إثبات دور المرأة الأسري الاجتماعي، على وجه الحقيقة لا على أوهام النجاحات الآنية!

وأقول نجاحات آنية موهومة، لأنها لم تكن يوماً لتوازي ولو من قريب ذلك النجاح العظيم الذي أثبتته المرأة قديماً، في تأمين المكان الأسري الدافئ القادر على تنشئة جيل يعرف كيف يخوض غمار الحياة، متسلحاً بأصالته وهويته وثوابته الكفيلة بمواصلة مسيرة العطاء الإنساني، بجهد لا ينضب وهمة لا تكل.

فالمرأة؛ المربية؛ الأم، هي الصورة الحقيقية لواجب المرأة الوطني الذي يؤمن المستند الثابت الذي يقوم عليه الجيل، وهي المهمة التي يجب أن تقوم بها، ولن يفلح أحد في القيام بها بدلاً عنها، مهما حاولنا إقناع أنفسنا بجدوى التربية على غير يد الأم في المنزل. فدورها في صياغة واستقرار أسرتها، أهم بكثير من أي إنجاز مهني، ولو خُيّرت بين العمل والبيت يبقى البيت أولاً.

وكلامنا عن ترتيب أولويات الواجب الوطني بالنسبة إلى المرأة، لا يفهم منه أبداً التقليل من شأن حضورها اجتماعياً، ولا محاربة أشكال تواجدها العملي والمهني، إلا أن ذلك يأتي في إطار التصالح مع الواجب الأساسي لها كمربية أسرية، لا يقل شأن جهدها عن أعلى المستويات التي تحلم بالوصول إليها في أبواب الحياة الوظيفية ومناشطها.

هي إذاً، أولويات لا بد من هضمها والتعاطي معها بواقعية، لا سيما بعد أن رأينا بعض الحالات لأسر نجح فيها الأبوان وظيفياً ومهنياً، وفشل الأبناء فيها تربوياً واجتماعياً، ولأسر كانت الأم فيها رمز نجاح في عالم المال والأعمال، بينما كان أبناؤها على هامش الحياة يعانون ضياعاً في صياغة أبسط أبجديات هويتهم وواجبهم!

وفي المقابل، لا ننكر أيضاً العديد من النماذج الناصعة التي استطاعت فيها المرأة الموازنة بين الواجبين بكفاءة واقتدار، فخرجت إلى الحياة ناجحة عملياً وتربوياً، وخرج أبناؤها قدوات منيرة بين أقرانهم تدلل على إتقان فلسفة التوازن الحياتي. فهذه نماذج أحسنت فهم الأولويات، وكان لها من الوقت والقدرة ما أهلها للنجاح في الأمرين معاً، ولكن.. كم نسبة هذه الحالات؟

وما عدد السيدات القادرات على إمساك عصا الحياة من المنتصف، دون إفراط في جانب على حساب جانب آخر؟

ولا أدل على ما نقره مما قاله المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حين وجه رسالة واضحة نيرة تحدد أدوار المرأة، فقال: «إن المرأة ليست فقط نصف المجتمع من الناحية العددية، بل هي كذلك من حيث مشاركتها في مسؤولية تهيئة الأجيال الصاعدة وتربيتها تربية سليمة متكاملة».

و«إنني أشجع عمل المرأة في المواقع التي تتناسب مع طبيعتها، وبما يحفظ لها احترامها وكرامتها كأم وصانعة أجيال».

فالمرأة كأم ومربية، تحمل وساماً من أرفع أوسمة العمل الوطني وخدمة المجتمع، لا يقلل من شأنه عدم حضورها الظاهر مهنياً ووظيفياً، فهي بلا شك حاضرة بقوة في جيل ترسمه بأناملها، ثابتاً راسخاً يفهم أسرار الحياة، ويعطي للوطن ما يرتجيه منه، ويقدم نموذجاً أصيلاً يكمل ما زرعه الأجداد والآباء بعرق الكفاح والعطاء.

مديرة تحرير مجلة «بنت الخليج»

noraalswidi@yahoo.com