ينظر إلى الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية على أنه مثير للمتاعب ومؤذ لصورة إسرائيل، لكن هناك حقيقة واضحة أخرى يجب الاعتراف بها، وهي أن الاحتلال مذموم.
فعلى أحد جانبي السلك الشائك، هنا في جنوبي هضاب الخليل في بلدة أم الخير البدوية، يعيش الفلسطينيون في خيام فقيرة بائسة وأكواخ مهلهلة، ولا يسمح لهم بالاستفادة من شبكة الكهرباء، كما لا تسمح لهم إسرائيل ببناء منازل أو حظائر لحيواناتهم، أو حتى دورات مياه. وعندما يبني الفلسطينيون أي مبنى دائم تأتي إسرائيل وتهدمه فورا، بحسب ما يؤكد فلاحون فلسطينيون وجماعات حقوق إنسان إسرائيلية.
وعلى الجانب الآخر من السلك الشائك توجد مستوطنة كارميل اليهودية، وهي واحة خضراء جميلة كضاحية أميركية، وفيها حدائق غناء، وأطفال يركبون الدراجات الهوائية، ومنازل مكيفة بالهواء.
كما توجد فيها مزرعة للدواجن، مضاءة ومرخص لها وتدار كتجارة مربحة. ويومئ إيلاد أوريان، وهو من ناشطي حقوق الإنسان الإسرائيليين، إلى المزرعة قائلا: تلك الدجاجات تحصل على كم من الإضاءة أكثر من الفلسطينيين في المنطقة.
من العدل أن نعترف بأن هناك سياسة الكيل بمعيارين في الشرق الأوسط، مع ضرورة التركيز على الانتهاكات الإسرائيلية. وبفرض وجود انتهاكات أخرى في المنطقة، فإن هذا لا يغير حقيقة أن إسرائيل تستخدم الجيش الأميركي للإبقاء على احتلال ظالم ومستبد. لقد خففت إسرائيل نقاط التفتيش هذا العام، وهو تحسين حقيقي في نوعية الحياة التي يعيشها الفلسطينيون، لكن النظام برمته يبقى سيئا.
«بيتسليم» هي منظمة حقوق إنسان إسرائيلية لطالما أعجبت بها، اصطحبتني إلى الخليل لمشاهدة الانتهاكات الخطيرة التي يتعرض لها الفلسطينيون. ومن الواضح أنه نظرا لرغبة إسرائيل في تجهيز هذه المنطقة للتوسع الاستيطاني، فقد بادرت باختلاق سلسلة من الحجج لطرد الفلسطينيين من القرى المحيطة، كما حرصت على جعل حياتهم بائسة إلى أبعد حد، حتى يغادروا من تلقاء أنفسهم. ويقول ساريت ميكائيل المتحدث باسم «بيتسليم»: «إنها محاولة لا تتوقف من جانب السلطات الإسرائيلية، لدفع الفلسطينيين إلى الرحيل».
وفي قرية «توبا» يعيش بعض الفلسطينيين في كهوف، لأنهم لا يحصلون على تصاريح بناء على الإطلاق. ويستشيط هؤلاء الفلسطينيون غضبا وهم يحاولون جمع مياه المطر، بينما مستوطنة ماون القريبة ينعم سكانها بالمياه النظيفة التي تزودهم بها السلطات الإسرائيلية من خلال الأنابيب. ويشكو إبراهيم جندية، الفلسطيني الذي يربي الأغنام والجمال في القرية، قائلا:
«لديهم (الإسرائيليون) وفرة من المياه ويزرعون الأشجار والحدائق، ونحن ليس لدينا حتى ما يكفي للشرب، مع أن هذه أرضنا وكنا هنا قبلهم». ويضيف: عندما تهطل الأمطار نشتري الأوعية التي تكلفنا 11 دولارا بسعة المتر المكعب، وهذا أكثر بأربع مرات مما يدفعه المستوطنون.
ومما يزيد من معاناة الفلسطينيين أكثر، هو الصدامات العنيفة مع المستوطنين الإسرائيليين، الذين لا يتورعون حتى عن مهاجمة الأطفال الفلسطينيين المتوجهين إلى مدارسهم في الصباح.
ولحماية هؤلاء الأطفال قام متطوعون أجانب من جماعات مختلفة، مثل «فريق صناعة السلام المسيحي» و«عملية الحمامة»، بمرافقة الأطفال في العام الدراسي 20042005 لحمايتهم، إلا أن المستوطنين هاجموا المتطوعين أنفسهم بالسلاسل والهري، حسبما أفادت تقارير حقوق إنسان، وتقرير لصحيفة «تايمز».
وبعدما أثار ذلك غضب الغرب، بدأ الجيش الإسرائيلي بمرافقة الأطفال لحمايتهم من المستوطنين. لكن ذلك لا يحدث على الدوام، مما يضطر الأطفال في بعض الأحيان إلى سلوك طرق التفافية تستغرق منهم ساعة ونصف الساعة، لتفادي هجمات المستوطنين.
وفي كل الأحوال، فإن المستوطنات تبدو في اتساع متواصل، وهذا هو أبغض وجوه الاحتلال. ويجب ألا نغض الطرف عن أهم حقيقة بشأن هذا الاحتلال، وهي أنه خاطئ.
كاتب صحفي أميركي