صارت الحرب على العراق في ذمة التاريخ، وانسحبت قواتنا، وخرجت الحكومة البريطانية التي أقحمتنا في هذا الغزو من السلطة. وبعد مرور هذه السنوات، فإننا وبكل شجاعة نفتح ملف التحليل للدوافع التي أدت إلى الغزو، سياسيا ودبلوماسيا وقانونيا، وزجّت ببريطانيا في غياهب صراع كارثي طيلة سبع سنوات.
الشهادة التي قدمها النائب العام البريطاني اللورد غولد سميث، للحكومة البريطانية السابقة قبيل شهور من الغزو عام 2003، كانت أحد محاور النقاش في شرعية الحرب على العراق. الجميع يعلم أن سميث غيّر موقفه من شرعية الحرب، إلا أن جانباً من التحقيقات حول الحرب أخيرا كشف عن وجود تغير جوهري في موقفه تجاه المسألة.
وتعد شهادة سميث بعدم قانونية الغزو على العراق من دون قرار إضافي جديد من جانب الأمم المتحدة، سندا مقبولا يمكن الاحتجاج به ضد اللجوء للعمل العسكري، وذلك بموجب القرارات الحالية للأمم المتحدة، ورفض الادعاءات بأن تغيير رأيه بشأن غزو العراق، جاء نتيجة ضغوط من رئيس الوزراء آنذاك توني بلير، وهو أمر متروك للتاريخ كي يحكم بصحته. وسوف تدلي لجنة شيلكوت بشهادتها في هذا الموضوع أيضا.
ولا شك أن جلسة الاستماع، بالإضافة للوثائق التي نشرتها لجنة التحقيق على موقعها الإلكتروني، أسست لمسألتين أساسيتين في هذه القضية؛ الأولى أنه تم إبلاغ بلير ووزير الخارجية الأسبق جاك سترو، على نحو متواصل بعدم وجود قاعدة قانونية للعمل العسكري ضد العراق. والمسألة الثانية أنهما واصلا الضغط على المدعي العام البريطاني لتغيير مشورته بخصوص هذه الحرب.
اللورد سميث كشف في شهادته أيضاً عن التوتر بينه وبين بلير، الذي تصاعدت وتيرته في صيف 2002، وأبلغ اللجنة بأن بلير لم يرحب بنصيحته في ذلك الوقت، والتي قال فيها إن مصادقة الأمم المتحدة ضرورية للعمل العسكري ضد العراق.
الشهادات التي أدلى بها غولد سميث وغيره من كبار القانونيين البريطانيين السابقين في وزارة الخارجية البريطانية، أمام لجنة تحقيق شيكلوت حول أسباب غزو العراق، تسببت في انتكاسة قوية لرئيس الوزراء البريطاني الاسبق توني بلير ووزير خارجيته جاك سترو.
ولكن مهما كانت النتائج التي ستسفر عنها التحقيقات، فإن الكشف عن هذه الوثائق للرأي العام أمر يستحق الثناء، وذلك بعد سنوات من حظر الحكومة البريطانية الإفصاح عنها لسريتها، وهو ما جرت عليه العادة دائما.
ولكن الكشف عن هذه الوثائق يؤرخ لعهد جديد من الشفافية، رغم ما أشار إليه أمين شؤون مجلس الوزراء البريطاني، من أن الوثائق المعلن عنها ليست إلا استثناء.
مجددا، فإن حرب العراق أصبحت في ذمة التاريخ، ولكن علينا الاستفادة من دروس التاريخ وعبره. والسبيل إلى ذلك يتطلب الحصول على كل الحقائق حول الحرب، ونحن أقرب إلى ذلك اليوم أكثر من ذي قبل.
وكان السير جون هولمز، السفير البريطاني في فرنسا، قد شكك أيضا في شهادة غولد سميث أمام اللجنة، والتي قال فيها «إنه ـ أي غولد سميث ـ استشار مسؤولين ومحامين كبارا في الولايات المتحدة، لكنه لم يتمكن من التشاور مع فرنسا، لأنه كان من الواضح أن باريس تعارض الغزو». وحين سئل هولمز عن قول غولد سميث بأنه لم يكن في استطاعته التوجه إلى فرنسا، أجاب هولمز: «لا أفهم ما الذي كان يمنعه من السفر».
صحيفة «اندبندنت» البريطانية