بأكثر من مقياس، فإن إقالة قائد القوات الأميركية السابق في أفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال، تعكس خلافا بين القيادات العسكرية الأميركية والبيت الأبيض. لكن الأزمة ليست طارئة، بل كان لا بد أن تقع لأنها تتعلق أساساً باستراتيجيات إدارة أوباما.

لقد انتقد ماكريستال سياسات الإدارة وخياراتها في أفغانستان، عندما شدد على أن الهدف من الحرب لا ينبغي أن يكون هزيمة حركة طالبان فحسب، بل حماية الشعب الأفغاني من المتطرفين عموماً.

هذا يعني أننا أمام مهمتين: هزيمة طالبان أولا، ومحاربة التطرف ثانيا. وغني عن القول ان كلا الهدفين اللذين حددهما ماكريستال تحيط به الشكوك، عدا أن أزمة تصريحات الجنرال ماكريستال والخلاف بين القيادات العسكرية والسياسية، هي الجزء الظاهر من معضلة أميركية قديمة متجددة.

فمن المعروف أن السياسة الخارجية الأميركية ظلت تتقلب بين مدرستين؛ الأولى ترى أن على الولايات المتحدة مسؤولية نشر القيم الديمقراطية في العالم، وتربط العلاقات الأميركية مع مختلف دول العالم بهذا المعيار.

والمدرسة الثانية ترى أن نشر الديمقراطية ليس مهمة السياسة الخارجية الاميركية، بل حماية المصالح الاميركية، وبناء علاقات مع دول العالم قائمة على حماية هذه المصالح، دون تدخل أو ربط العلاقات بنشر الديمقراطية في تلك الدول.

لقد غزا الجيش الاميركي أفغانستان في ظل إدارة جورج دبليو بوش التي تتبنى المدرسة الاولى، مدرسة التدخل ونشر القيم الديمقراطية. وقد ارتبطت الحرب العالمية على الإرهاب التي أعلنتها إدارة بوش، بضغوط هائلة مارستها في السنوات الاولى بعد هجمات 11 سبتمبر، على دول عديدة لأحداث إصلاحات. ووصل الحد بإدارة بوش إلى محاولة التدخل في مناهج التعليم في الدول العربية والإسلامية.

في ظل تلك الاستراتيجية بدأ الجيش الاميركي مهمته في أفغانستان والعراق، وكانت مهمة ذات شقين: الاول عسكري ويستهدف هزيمة التمرد في العراق وأفغانستان، والثانية إعادة الاعمار، بل إعادة بناء الدولة من جديد في كلا البلدين.

وعدا الاعاقة الكبرى التي تمثلها المقاومة المسلحة في كل من العراق وأفغانستان لمهمات كهذه، فان الكلفة الباهظة لهذه السياسة أثارت على الدوام معارضة في الولايات المتحدة نفسها. وغني عن القول ان ادارة اوباما ليست من انصار مدرسة التدخل، بل من انصار المدرسة الثانية، وهذا ما عبر عنه اوباما بوضوح، اكثر من مرة وبشكل جلي.

لكن هذا التحول من استراتيجية الى اخرى، لن يأتي بسهولة دون تبعات كبرى. اول هذه التبعات، هي ان ادارة اوباما ورثت تركة الوجود العسكري الاميركي في كل من العراق وافغانستان.

واذا كانت قد حددت موعدا للانسحاب من العراق في ظل التحسن البطيء للأوضاع فيه، فان الخروج من افغانستان دون تحقيق انتصار عسكري او استقرار لحكومة مركزية قوية، سيكون هزيمة واضحة بكل المقاييس.

هذا ما يدركه الجنرالات الاميركيون، وأولهم ماكريستال، وهو ما دعاه الى اطلاق انتقاداته التي كلفته منصبه، لأنه لمس بشكل واضح ان السياسات التي تتبناها الادارة لن تحقق الاهداف المعلنة، وخصوصا هزيمة طالبان وتثبيت دعائم حكومة مركزية قوية، قادرة على بسط الامن والاستقرار في افغانستان، او على الاقل مواجهة تمرد طالبان دون دعم دولي.

يزيد في تعقيد المهمة، ان النصر النهائي على طالبان امر مشكوك فيه، وهو ما دعا ابرز حلفاء الولايات المتحدة، أي بريطانيا، الى تكرار الدعوة لمفاوضات مع طالبان، التي جاءت على لسان اكثر من مسؤول بريطاني، آخرهم كان الجنرال ديفيد ريتشاردز قائد الجيش البريطاني.

في السياق نفسه، يدرك الرئيس الافغاني حميد كرزاي، والافغان عموما، أن هزيمة طالبان أمر صعب، ولا بد في النهاية من تسوية سياسية. لقد تبين هذا مؤخرا في مؤتمر «اللويا جيرغا» الذي عقد قبل نحو اسبوعين، وعمل فيه كرزاي على تأكيد الرغبة في المصالحة بالدرجة الاولى.

إن التاريخ اثبت أن افغانستان بلد يصعب حكمه بالقوة المسلحة، مثلما جرى الامر مع الامبراطورية البريطانية في أوج توسعها الاستعماري في القرن التاسع عشر، وتاليا مع الاتحاد السوفيتي السابق بعد تدخله الشهير في 1979 والذي انتهى بانسحاب مذل. ليس هناك ما يؤكد حتى الآن أن الاميركيين او أي تحالف دولي، بامكانه مخالفة هذا المسار في بلد مثل افغانستان.

إن إطالة امد الحرب في افغانستان، لا تصب في مصلحة الولايات المتحدة ولا حلفائها الذين راحوا يعلنون واحدا تلو الآخر عن مواعيد لسحب قواتهم من افغانستان، وهو ما سيضع الثقل حتما على كاهل القوات الاميركية والادارة الاميركية، التي ستجد نفسها امام خيارات صعبة.

فالهدفان الأساسيان اللذان تحارب من اجلهما الولايات المتحدة في افغانستان، وهما هزيمة طالبان من جهة واقامة حكومة قوية، ما زالا امرين بعيدي المنال، خصوصا بعدما كشفت الانتخابات الرئاسية الاخيرة عن ضعف مؤسسات الدولة، ناهيك عن عدم جاهزية الجيش وقوى الامن الافغانية، خصوصا مع تأصل الفساد في هذا البلد.

هكذا، فإقالة ماكريستال أبعد من خلاف بين قيادات عسكرية وسياسية، فهي في الاساس صدام بين مقاربتين مختلفتين، ظلتا على الدوام تطبعان تاريخ الولايات المتحدة منذ مطلع القرن العشرين الماضي.

كاتب وصحافي بحريني

m.alobaidley@gmail.com