تبدأ المشكلات العربية صغيرة، ثم تكبر وتتسرطن فتكون الخلافات والمقاطعات وحروب الساحات الإعلامية والسياسية، والغريب في الأمر أننا نتواصل بالوسطاء العرب، ولكن الريبة في اجتهاداتهم تدخل النص المتعارف عليه بالمؤامرة من طرفين ضد آخر، ولو أن أنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحاكم العدل الدولية تبيح قراراتها ونظمها طرح حروب السودان وخلافات الفلسطينيين والعراقيين والصوماليين، لربما ذهب فريق يبحث عن حل لعقدة اللسان والعقل، لكن هناك من يصوّر أوضاعه بالداخلية التي لا تقبل دسّ الأنوف فيها..
الابتهاج بوصول مندوبين أمريكيين أو أوروبيين يدخل في دائرة الصانع السحري للحلول، مع أن وصولهم ودخولهم القاعات المغلقة والمفتوحة، يجعل الآمال تتبخر؛ لأن الوسيط ليس نزيهاً ولا يحمل ترياقاً، بل يحمل حلولاً تخدم مصلحته وحليفته إسرائيل..
في مشكلة تشكيل الوزارة العراقية كل العقلاء العرب تركوها للعراقيين، إلا أن نائب الرئيس الأمريكي «بايدن» جاء يحمل رأياً إما الإقرار بالانتخابات وإتمام الإجراءات الدستورية وعدم فتح الباب الأمامي لإيران أن تكون اللاعب والمتصرف، أو الإسراع بسحب القوات أو حتى المصالحة مع إيران وفق اتفاق يكون على حساب العراق، والغريب أن الاشتراطات بين طرفيْ النزاع، شخصية وليست وطنية، طالما العراقيون صوتوا، ثم طُعن في خياراتهم وأعيد الفرز الذي جاء مؤكداً على سلامة الإجراءات، ومع ذلك كلّ يتمسك بحلوله وآرائه التعجيزية..
ونأتي للقضية الفلسطينية، والمصالحة بين المتنازعين، فقد أُسقطت الجهود العربية بدءاً من مكة والقاهرة، ثم قطر، واللجوء إلى التحالف مع الأنصار الذين يدّعي كل فصيل أنهم في صفه، والمشكل ليس في مَن قدّم الجهود واستضاف واقترح وقرّب وجهات النظر، بل في مَن بدأ يشكك ويحارب الجهود العربية، ومن هذا السبب ماذا لو تبرأ كل الوسطاء من المشكلة وجعلوها بين فريقيْ الخلاف وعلى مذهب هم أدرى بقضاياهم؟
قطعاً ستخرج التصريحات النارية عن تخلي العرب عن قضيتهم المركزية من أجل أن تتفرد إسرائيل بفرض الأمر الواقع على الأرض، والشروط الأخرى من خلال الوسيط الدولي، وهنا من يكون السبب في تعقيدات ما يجري إذا كان الوسيط الدولي هو من يرفض ويؤيد طرفيْ النزاع؟
ليس هناك حلول جاهزة لأمور يتداخل فيها المذهب مع الحق الشخصي الذي ينازع الحق الوطني، وبالتالي فلا الوسيط العربي مقبول للاعتبارات التي تحاول تقريب وجهات النظر، ولا الوسيط الأجنبي الذي يقول، ويريد أن يكون رأيه شرطاً مفروضاً، ولهذه الأسباب صارت المواقف العربية أكثر ضعفاً وأقل إيجابية، أو مصالحة مع نفسها.
شهدنا نزاع ألمانيا مع أوروبا يحل بالعقل ونسيان عقدة الحربين، وتجري محاولات بين الهند وباكستان لغلق ملف كشمير، وهناك تقارب وحلول بين دول عديدة، لكن قضايانا العربية أصبحت في منزلة كسر العظام؛ لأن من ينجح على خصمه حتى لو كان يعيش معه في حدود البلد الواحد، هو البطل المتوج، ولكن البطولة تقاد بالعقل لا بالحماقات..
