لا يزال يفصلنا أكثر من ربع عام عن الانتخابات النيابية والبلدية البحرينية لعام 2010. وبخلاف سابقاتها، بدأت الأجواء هذه المرة تسخن منذ الآن، لدرجة الشعور بأن المرشحين قد تحددوا تقريباً، وأن الحملات الانتخابية قد أُطلقت بالفعل. ما يحدث يعد أمرا طبيعيا، لسببين رئيسيين:

الأول؛ أن القوى التي نجحت في تحقيق محاصصة طائفية نتيجة انتخابات عام 2006 اعتادت على تصور نفسها بأنها فيلة، إذ تتصارع فيما بينها، لا يهمها أن تدوس تحت أقدامها «الأعشاب» من قوى ديمقراطية وجماهير، وأصبح من الصعب عليها تصور لوحة بغير الألوان القاتمة هذه، حيث تقتسم في ما بينها ثلاثة أرباع المجلس، تاركة «للحكومة والمستقلين» ربعه الباقي.

وهي تجد صعوبة كبيرة في فهم ضرورة أن تتغير هذه المحاصصة لصالح توازنات أكثر وطنية. عدا هذا التصور للأشياء، فهي لا تمتلك تصورا لبناء الدولة والمجتمع والاقتصاد، ولا يهمها، في سبيل الاحتفاظ بهذا «الحق»، أن تجعل من البلد نسخة من البرلمان الطائفي، ليغدو كانتونات منعزلة عن بعضها. وللديمقراطيين أن يناضلوا خارج المجالس النيابية والبلدية، وحتى خارج هذه الكانتونات.

وثانيا، لأن الجماهير الشعبية ذاتها، خبرت خلال عقد السنوات الماضي تشكيلتين برلمانيتين: واحدة بوجود ديمقراطيين يصارعون من أجل الجماهير ووحدة الوطن، وأخرى بغيابهم وبهيمنة قوى تتصارع من أجل اقتسام الجماهير و«الوطن»، على أساس طائفي.

وعلى أساس تراكم الخبرة هذه، يفترض أن يكون الوعي الفردي والاجتماعي لدى أوساط شعبية لا بأس بها، قد ارتقى إلى فهم ضرورات لم يعد في القوس من منزع لتحققها. في مقدمة هذه الضرورات فك أسر الجماهير نفسها من الارتباط بإرادة القادة الطائفيين، على هذه الضفة أو تلك.

ومن بين هذه الضرورات تحول أنظار الجماهير التي وعت وضعها ودورها لتتطلع نحو القوى الديمقراطية التي تمثل اليوم مصالحها بتفانٍ، وكما هي منذ أكثر من نصف قرن. ومن بين هذه الضرورات ضرورة فهم أن الخروج على قوى الطائفية، بعد الذي شهدناه، لا يشكل «عيبا اجتماعيا»، بل بالعكس، وعيا اجتماعيا ناضجا تتطلبه مصلحة الشعب والوطن.

ومن أهم الضرورات، كذلك، أن تنتقل الجماهير من دائرة الوعي التأملي، إلى دائرة الفعل التحويلي للمجتمع، بتحديد مواقفها على أساس مصالحها في الحياة الكريمة، من حيث الحريات الديمقراطية ومستوى المعيشة المادية، فتنحاز إلى من تعتبره منحازا لمصالحها تلك من القوى السياسية.

التفاعل بين «أولا» و«ثانيا» أعلاه، بدأ يشكل في المجتمع ظواهر متباينة تلغي الواحدة نقيضتها. في البدء بدا مستغربا وخروجا على «الحق»، إعلان قوى التيار الوطني الديمقراطي الأساسية الثلاث:

التقدمي، «وعد» والقومي، النوايا للترشح في ما سمي بدوائر نفوذ قوى الطائفية، واستثار حفيظة هذه القوى التي واجهته، إما بالنقد الحاد الذي يرتقي إلى درجة التهديد كما حدث في حق أمين عام «التقدمي»، وإما «بتجييش» قسم من الجماهير في عرائض ترفض القادم من خارج المنظور الطائفي، ما يعني شكلا مبطنا للعنف هو الآخر، كما حدث مع أمين عام «وعد». كما نشطت أقلام في الصحافة وألسنة في المجالس، لتؤجج العواطف و«الحميَّة» الطائفية، ضد مجيء الديمقراطيين الذين نالوا من النعوت أشرها.

برأس بارد وبروح وطنية عالية، تعامل ممثلو التيار الديمقراطي، وبينوا كيف كانوا هم السباقين لطرح مبادرات وأفكار الحوار الوطني والقائمة الوطنية، والتنسيق للحيلولة دون أية احتكاكات تؤذي القوى الوطنية وتشغلها عن أداء مهامها الوطنية الحقيقية.

بل إنهم ضربوا بأنفسهم مثلا في الحوار الديمقراطي الراقي، من أجل تشكيل التيار الوطني الديمقراطي، وهم لم يغلقوا باب الحوار مع القوى الأخرى حتى اللحظة. وبينوا أنهم يسعون لأن يجعلوا من الدوائر التي يستطيعون إليها سبيلا، دوائر تعكس إرادة شعب البحرين في وحدته الوطنية. وسرعان ما أتى ذلك أُكُلَه، فتراجع الهجوم الحاد على مستوى التصريحات السياسية والكتابات الصحافية وأحاديث المجالس.

وفي ذلك يسجل للبعض من قادة الطوائف المتنورين وبعض رؤساء تحرير الصحف، مساهمتهم في إعادة تهذيب الخطاب السياسي والصحافي، وإقرار مبادئ المنافسة الشريفة والقبول بالآخر، في الآونة الأخيرة. وقد أحدث ذلك أثره الطيب على أحاديث الناس.

المطلوب الآن هو الدفع بالظاهرة الجديدة، لتحويلها إلى سلوك سياسي واجتماعي حضاري، يتجلى خلال فترة الانتخابات، ويتيح للناخب تحكيم ضميره الخاص وتقرير صوته بنفسه، دون تهديد ممن يبشّر بعواقب في الدنيا أو الآخرة.

وإذا كانت أية عملية انتخابية تحتاج بالضرورة إلى قلوب حارة وعواطف جياشة، فإنها أيضا لن تستوي دون رؤوس باردة، تقدم المصلحة الوطنية وحرية اختيار الناخب، على غيرها من القضايا.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com