كانت زيارة النملة لمعرض الوظائف حدثاً لن تنساه نملتنا طوال حياتها، وقد تركت تلك الزيارة آثارها على ما جاء بعدها من أيام عمرها، التي اعتقدت أنها ستكون مختلفة عما مر بها من أحداث في الدائرة التي كانت ذات يوم دائرتها، قبل أن تخرج منها مطرودة بعد أن احتلها الغرباء وحولوها إلى إقطاعية خاصة بهم.

دخلت النملة معرض الوظائف يحدوها أمل كبير في فتح صفحة جديدة، تنسيها الصفحات غير المحببة إليها من حياتها، بعد أن تابعت الحملة الإعلامية التي سبقته واستمرت خلاله، وشاهدت الحماس الذي كان يتحدث به مديرو الدوائر المشاركة فيه، رغم بعض المنغصات التي أشارت إليها في مقال سابق.

لكنها خرجت من المعرض وقد خبا هذا الأمل وتضاءل، بعد ما سمعته من حكايات المقهى الذي دخلته لتناول فنجان من القهوة يعدل مزاجها، وخرجت منه بمزاج مقلوب لا تكفي كل فناجين القهوة التي في الدنيا لإعادة الانضباط إليه.

رغم أن النملة دعت الله كثيراً، وتمنت أن تكون ظنونها تلك في غير محلها، وأن يكون ما سمعته من حكايات النمل في المقهى ماضياً لا عودة له، إلا أن كل يوم يمر عليها كان يؤكد لها أن الله لم يستجب لدعائها، وأن أمنيتها هذه تتلاشى وتتحول إلى سراب، فرغم أنها وضعت عنوان بريدها الإلكتروني وكل أرقام هواتفها ورقم صندوق بريدها الشخصي وعنوان مسكنها، في كل الطلبات التي قدمتها لجميع الدوائر المشاركة في المعرض، ورغم حرصها على إبقاء هاتفها النقال مفتوحاً طوال ساعات النهار والليل.

والانتباه إلى نغمة الرسائل الإلكترونية في جهاز ال«بلاك بيري» الذي لا يفارقها أبداً، وزيارة مكتب البريد القريب من مسكنها يومياً، إلا أن شيئاً لم يصلها من أيٍّ من الدوائر التي أودعت أوراقها لديها، الأمر الذي أكد لها أن حكايات المقهى هي الحقيقة الوحيدة، وأن كل ما سمعته وقرأته من وعود المسؤولين وتصريحاتهم، ليس أكثر من كلام للاستهلاك الإعلامي، وذر للرماد في العيون، لتخدير أهل مملكة النمل الطيبين الصابرين.

كانت النملة قد لاحظت أثناء استماعها لحكايات المقهى، أن هناك عتباً كبيراً من قبل النمل على سلطات مملكتها، لعدم إلزامها القطاع الخاص باستيعاب نسبة من مواطني المملكة، خاصة أن المسيطرين على هذا القطاع ليسوا من أهلها، لذلك قررت أن تخوض تجربة اقتحام هذا الميدان واكتشاف خباياه، علها تسهم بجهد يعيد التوازن لهذا القطاع ويعدل كفة هذا الميزان المختل.

كان قرار النملة هذه المرة التحرر من قيد الوظيفة وارتياد العمل الحر الذي طالما سمعت أنه بوابة الثروة والغنى، فرأت أن تقوم باستقصاء أوضاع السوق لمعرفة أفضل مجالات الاستثمار، بعد أن قامت بحصر ما لديها من سيولة ادخرتها على مدى سنوات عملها في الدائرة، رغم ضآلة ما كانت تتقاضاه مقارنة بالأرقام الفلكية التي يتقاضاها من جاء بعدها، كما ثمنت ما لديها من ممتلكات لم تتجاوز السيارة المتواضعة التي تستخدمها.

وبعض المصوغات التي ورثتها عن أمها، ومسكناً قديماً تتوارثه عائلتها منذ عهد جدها الأكبر، وقد عقدت العزم على بيع السيارة والمصوغات ورهن البيت لدى أحد البنوك مقابل قرض، وذلك عندما يستقر رأيها على نوع العمل الحر الذي ستمارسه، لتدخل نادي سيدات الأعمال اللواتي طالما رأت صورهن تزين صفحات الملاحق الاقتصادية وأخبار المجتمع في الصحف والمجلات المتخصصة في فن التلميع والتسويق لبعض الأسماء، وهذه حكاية أخرى لم يأت أوان روايتها بعد.

كان أول ما فكرت فيه نملتنا هو الاستثمار في مجال العقار، الذي كانت إعلاناته تحتل صفحات كاملة من الصحف التي كانت تطالعها خلال فترة بطالتها التي طالت، وتتعجب من الأرقام المليارية التي كانت تقرؤها، وتندهش من الغنى الفاحش الذي كان يظهر على بعض الأشخاص بين عشية وضحاها، ممن لم يعرف عنهم وعن أسلافهم الغنى قبل هذه الطفرة التي جعلتهم يتصدرون واجهة عالم المال والأعمال، في ظاهرة أطلق البعض عليها ظاهرة محدثي النعمة.

ولأن نملتنا تؤمن بالتخصص، فقد لجأت إلى نملة صديقة، لها باع طويلة في هذا المجال، وطلبت منها المشورة، لكن ردة فعل صديقتها كانت مفاجئة لها، فقد أطلقت النملة الخبيرة ضحكة عالية تردد صداها في أركان المركز التجاري الذي كانتا تتسوقان فيه، قبل أن تقول وهي تحاول كتم ضحكتها المجلجلة: لقد جئت يا صديقتي متأخرة جداً، كفريق كرة القدم الذي انتابته صحوة في الوقت الضائع، لقد باع يا عزيزتي من باع واشترى من اشترى وطارت الطيور بأرزاقها.

احفظي، يحفظك الله، عليك نقودك وفكري في مجال آخر، فقد انتهت اللعبة وعلقت الفراشات الشقراوات اللواتي كن يعملن في مكاتب العقارات، لوحة كتبن عليها بلغتهن التي فرضت نفسها على مملكتنا ودفعت لغتنا إلى الصفوف الخلفية عبارة (GAME OVER).

بهذه النصيحة أغلقت نملتنا ملف العقار، ويممت وجهها شطر سوق الأسهم التي لم يكن حالها أحسن من حال العقار وسوقه، لذلك قررت أن تطرق باب التجارة وترى أيها تختار، فبدأت بقطاع المطاعم الذي تعتقد أنه لن يبور طالما أن البشر لم يغلقوا أفواههم بعد، لكنها صُدمت عندما وجدت الصراصير تسيطر عليه ولا تسمح لأحد بالاقتراب منه، فغادرته إلى قطاع الأغذية الذي وجدت القطط تفرض حظراً على كل من يفكر في اقتحامه، وكان قطاع الإلكترونيات ثالث اختياراتها، لتجد الفئران تقف بالمرصاد لكل من يتقدم نحوه بعد أن بسطت عليه سيطرتها..

وهكذا أخذت نملتنا تنتقل من قطاع إلى قطاع، لتكتشف أن كل أنواع الحشرات والقوارض والحيوانات تستأثر بنصيب الأسد من تجارة مملكة النمل، وأن النمل لا يحصل إلا على الفتات الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.

ملاحظة: لم ينته حلم النملة في دخول نادي سيدات الأعمال والانضمام إلى النخبة التي ترى صورها كل يوم على صفحات الجرائد والمجلات، رغم الإخفاق الذي منيت به في محاولتها الأولى، فما زالت رغبتها في كسر الطوق الذي يفرضه البعض حول هذا العالم قائمة، خاصة بعد أن زارت دائرة التنمية الاقتصادية وقابلت أحد موظفيها.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com