في عالم يزداد تسلحاً يوماً بعد آخر، تنزع أوروبا سلاحها. فتحت وطأة الأزمة المالية العالمية والحاجة إلى تعزيز مواردها المالية العامة، تعمل الدول الأوروبية على خفض إنفاقاتها على الدفاع بشكل واسع، وهذا أمر خطير.

يرى المتفائلون أن التكيف الذي ينسجم مع تعقيدات الظروف، يمكن إصلاحه من خلال اللحاق بالركب في وقت آخر، فيما يدين المتشائمون الاتجاه الذي بدأ منذ نهاية الحرب الباردة عام 1990، ما يولد شعوراً بأن القارة تخرج من مجرى التاريخ.

تدين الدول الأوروبية بأسلوب استراتيجية الاحتياطي، بوعي أو من دون وعي، في سبيل أن تصبح القوة المؤثرة في عالم الغد. وتستقر بتأثير عوامل خارجية نحو الحياد، الذي سيجعل من أوروبا العجوز، نوعاً من سويسرا البعيدة عن الاضطرابات في القرن الواحد والعشرين، وهو ما يركز المفهوم الملائكي للتاريخ، وهو تفسير غير لطيف بالنسبة لسويسرا، التي تمتلك دفاعاً وطنياً جيداً. لأن الدفاع ليس فقط القدرة على ردع أو محاربة العدو عند الحدود، ففي هذا الصدد، تمكن الأوروبيون من أن يبنوا بشكل مثير، مجموعة تستبعد الحرب أو تقصيها كوسيلة لتسوية النزاعات.

فالدفاع، بالنسبة لقارة مثل أوروبا، يعني القدرة على استشراف طموحاتها الاستراتيجية (هل ما زالت توجد هذه الطموحات؟)، التي هي قدرتها على استعراض قوتها في ساحات القتال البعيدة. إن العامل الحاسم المؤثر في مستقبلها الاقتصادي، هو قدرتها على التدخل في قارة أخرى، وذلك من أجل منع حدوث محاولات الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية. باختصار، أن تأخذ البلدان الأوروبية مكانتها بين القوى العظمى لهذا العصر.

لا تقول الأرقام كل شيء، لكنها لا تخدع. فمعظم البلدان الأوروبية تنفق أقل من 5,1% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، جميعها دون استثناء، حيث يتم تخفيض الاعتمادات العسكرية وفقاً للقوانين الاقتصادية لعامين مقبلين.

ينطبق ذلك على الدول الأوروبية الصغيرة، وكذلك القوى العسكرية الأربع أو الخمس في القارة القديمة: مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا العظمى، وإلى حد أقل إسبانيا وإيطاليا وبولندا. يبدو أن الألمان والبريطانيين أكثر جذرية في طلب التسلح، فيما يعمد الفرنسيون إلى الحذر في وضع حد ل«العطل»، ويضغطون، كما يقال بشكل لبق، لجعل إنفاقهم العسكري «مستقراً».

هذا من شأنه أن يكون ذا أهمية نسبياً، إذا ما قام «الآخرون» بالشيء نفسه، إذ تعتزم الولايات المتحدة أن تبقى القوى العسكرية الكبرى في العصر، مع إنفاق أكثر من 4% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، ويفعل الروس الشيء ذاته، مع إنفاق أكثر من 5%، بينما ينفق الصينيون أكثر من هذه النسبة.

إن وضع القيود على الميزانية الوطنية، يجب أن يشجع الأوروبيين على مضاعفة جهودهم العسكرية. وهذا يحمل اسماً واحداً: الدفاع الأوروبي. وهذا يطرح صعوبات عدة، لكن ينبغي عدم التخلي عنه بأي شكل من الأشكال.

إلى السلاح، أيها الأوروبيون، شكلوا دفاعكم الخاص بكم.

صحيفة «لوموند»