جرت في بيروت مؤخراً الانتخابات الخاصة باتحاد الكتّاب اللبنانيين. والاتحاد أمسى منذ زمن مؤسسة مشلولة لا فاعلية لها تعيش على هامش الحياة الثقافية، إذ لم يعد يطلق مبادرة أو يعقد ندوة أو ينخرط في نشاط فكري يدل على وجوده أو يشير الى حضوره وسط المشهد.

فقط يحضر أو يسمع الناس به، عندما يحين موعد الاستحقاق الانتخابي، ولكن ما من مرة جرت الانتخابات في أجواء طبيعية، وبصورة شرعية، دون تلاعب أو انتهاك للنظام الخاص الذي تُدار به شؤون الاتحاد.

وهذا ما جرى في الدورة الأخيرة، حيث انفجر الخلاف وأطلقت التُهم المتبادلة، بين فريقين متصارعين على قيادة مؤسسة أصبحت اسماً على غير مسمى. والعلة في ذلك أن الاتحاد لم يعمل يوماً كهيئة نقابية تهتم بالدفاع عن حقوق الكتاب أو بتحسين أوضاعهم، ولا هو شكّل نموذجاً لممارسة العمل الديمقراطي كما هو جدير بالهيئات الثقافية.

حتى عندما كان الاتحاد يضم أسماء لامعة أو بارزة من الكتّاب والمثّقفين، كما كان الأمر في البداية، فإنه كان يدار بعقلية أيديولوجية ضيقّة، من جانب المنظمات والشخصيات الحزبية أو السياسية، اليسارية أو القومية، التي حاولت توظيف الاتحاد لحساباتها الخاصة، أو تسخيره لاستراتيجياتها في القبض والهيمنة. والأحزاب الأيديولوجية، التي تحيل المشاريع والمؤسسات الى معسكرات، ما دخلت شيئاً إلا أفسدته أو دمرته، خاصةً في العالم العربي.

من هنا لجوء القائمين على الاتحاد، في مختلف عهوده، إلى تنسيب أعضاء في هيئته العامة ليسوا من الكتّاب، خارقين بذلك الشرط الأساسي الذي هو علّة وجود الاتحاد، أي أن يكون تجمعاً ثقافياً يضمّ كتّاباً لهم وزنهم وآراؤهم، كما لهم أعمالهم التي تشهد لهم.

لأن المتصارعين على السلطة أو الغنيمة كان يهمهم بالدرجة الأولى، من أي كاتب أو منتسب، صوته الانتخابي لا غير، أي كونه مجرّد رقم في حساب أو قطيع، هكذا ضاربين عرض الحائط بالقيَم والمعايير والقواعد التي تنظّم عمل أي مؤسسة أو هيئة نقابية أو مهنية أو سياسية.. فكيف إذا كانت ثقافية؟ وقد استفحل هذا الداء لكي يصل الاتحاد الى ما وصل إليه؛ مؤسسة خاوية لا حياة فيها، تجري انتخابات هي أشبه بالمهزلة.

ومن المفارقات في هذا الخصوص، أن الانتخابات التي تجريها نقابات المحامين والمهندسين والأطباء، في لبنان، إنما تتّم بعقلية تداولية، بحيث أن الخاسر يعترف بأحقية الفائز ومشروعيته. هذا ما يجري في النقابات حيث تحترم الديمقراطية من غير ادّعاء أو تنظير، في حين أن دُعاة الديمقراطية وعشّاق الحرية من الكتّاب والمثّقفين، لا يحسنون سوى انتهاك ما يدعون إليه، لأنهم يفكرون بمنطق الاستبعاد والإقصاء، شعارهم في ذلك: أنا أو لا أحد. وتلك هي الفضيحة.

وهذا الواقع المتردي لا ينفرد به اتحاد الكتّاب اللبنانيين، بل هذه هي حال اتحادات الكتّاب في غير بلد من البلدان التي تبنّت النهج السوفيتي، في العقيدة والسياسة والسلطة والإدارة، حيث اتحادات الكتّاب قد تشكّلت أصلاً، كأُطر أو مؤسسات تعمل في خدمة الشعار المقدّس والنظام القائم والحزب القائد والزعيم الأوحد.. وفي الحالة القصوى تصبح مؤسسة أمنية تراقب الكتّاب، وتعمل على قمعهم أو طردهم أو تهديدهم..

إن اتحاد الكتّاب يشكّل مظهراً من مظاهر التراجع الذي يشهده لبنان منذ عقود، سيّما مع أو بعد صعود الأحزاب والقوى اليسارية والقومية، الدينية والطائفية، وسعيها الى تعريب لبنان أو أسلمته أو تطييفه. وتلك هي حصيلة الفكر الأحادي والاصطفائي، الشمولي أو الأصولي: القضاء على ميزة لبنان وفرادته، كبلد هو هبة التعدد والتنوع والاختلاف.

أبقى في بيروت لأتحدث عن مهرجان اللغة الذي أُقيم في شارع الحمراء، بدعوة مشتركة من «مؤسسة الفكر العربي» وجمعية «فعل أمر». وكان القصد من ورائه تكريس يوم للاحتفاء باللغة العربية، وتسليط الضوء على واقعها ومشكلاتها.

ومن تكرارٍ القول بأن للغة أهمية كبيرة في حياة الشعوب والأمم، إذ هي مرآة الشخصية وعنوان الهوية. وإذا كانت اللغة تحتل هذه الأهمية، لدى البشر عامةً، فإن العرب أولوا لغتهم أهمية فائقة، إلى حد حملهم، بنوع من العنصرية التي تحطّ من شأن الآخر، على اتهام كل من لا ينطق بالعربية بالعجمة.

ولكن مكانة اللغة تتوقف على حيوية الناطقين بها، إذ هي تقوى بقوتهم وتنتشر بازدهارهم الحضاري والثقافي. ومن المعلوم أن العرب، لما خرجوا من الجزيرة، مع الإسلام الذي شكّل الموجة الثالثة والأخيرة للديانة التوحيدية، فرضوا على الشعوب التي وقعت تحت سيطرتهم اللغة والعقيدة والشريعة، على نحو أحدث في حياة هذه الشعوب ما أحدثه من تبديل وتغيير، سواء بالنص أو السيف، عن قناعة أو تحت سطوة القداسة.

اكتسبت اللغة العربية مكانة خاصة، في نظر كل مسلم، كونها لغة النص المنزل. ولهذا نجد المسلمين، غير العرب، يسمون أبناءهم بأسماء عربية، ويمارسون شعائرهم الدينية بالعربية وهم يجهلونها. بهذا المعنى مارست اللغة العربية إمبرياليتها ولا تزال حتى اليوم، على غرار لغات أخرى كالفرنسية والإسبانية، وخاصةً الإنجليزية.

ولذا لا أعتقد أن هناك خطراً محدقاً بالعربية، على ما يتوهم الكثيرون. أولاً؛ بسبب التراث الحي والهائل الذي هي مستودعه، ثانياً؛ لوجود كتّاب ومؤلفين ينتجون ويبدعون بالعربية، بما يفضي إلى تطويرها وإغنائها وتوسيع آفاقها الدلالية وعوالمها الرمزية، هذا فضلاً عن أن انتشار التعليم ووسائل الإعلام قرّب العاميات إلى الفصحى، بقدر ما جعل هذه أيسر وأسهل.

وبالعودة الى يوم اللغة، فحسناً أن يقام مهرجان يحث على إيلاء العربية ما تستحقه من الاهتمام والرعاية، بحيث يحرص أهلها على أن يتكلموا بها بصورة صحيحة أو جميلة أو مبتكرة، كما تجلى ذلك في شعارات مثل: أنت لغتك.

ولكن هناك شعاراً لفت نظري لم أستسغه، يقول: «لا تقتل لغتك». هذا الشعار يختزن عنفاً لفظياً. فأنت، حتى عندما تنهى عن القتل، إنما تمارس العنف على مستوى اللاوعي والرمز. كان من الأنسب أن يُصاغ الشعار، خاصةً وأنه يتوجه الى الأطفال، بلغة إيجابية وبناءة، لها طابعها الإبداعي، التحويلي أو المستقبلي.

من هنا كنت أوثر شعارات أخرى مثل: حسّن لغتك أو اتّقن لغتك، بل «ابتكر لغتك». والابتكار ليس حكراً على الكتّاب، بل بوسع كل من ينطق بلغة أن يبتكر بها ويجدّد في مفرداتها وتراكيبها. وهذا شأن اللغة الحية، فهي لا تجمد عند قواعد النحاة وأصوليي اللسان، بل تبقى في تطوّر مستمر.

كاتب ومفكر لبناني

harb@cyberia.net.lb