لا أظن أن أحداً كان ينتظر المعجزات من اجتماع الزعماء العرب الخمسة في القمة المصغرة التي استضافتها العاصمة الليبية، والتي ضمت رؤساء ليبيا ومصر والعراق واليمن وأمير قطر إلى جانب الأمين العام للجامعة العربية، لبحث سبل تفعيل العمل العربي المشترك.
ومع ذلك فانعقاد القمة المصغرة في حد ذاته هو خطوة ايجابية، والإعلان عن وجود وجهتي نظر حول تطوير الجامعة، تهدف الأولى إلى تعديل جذري وتطوير سريع وميثاق جديد يحول الجامعة إلى «اتحاد للدول العربية» وترى الأخرى أن التطوير التدريجي هو الأصلح في المرحلة الحالية وأن الحفاظ على «الجامعة» مطلوب حتى تتوفر الظروف لخطوة حاسمة مثل إقامة «الاتحاد».
هذا الإعلان عن الخلاف في وجهات النظر يمكن أن ينظر إليه بإيجابية حين لا يرافقه ما تعودنا عليه في هذا الأحوال من تبادل الاتهامات ولا إخفائها في المجاملات العربية المعتادة، بل تم وضعها أمام الرأي العام العربي، قبل أن توضع مرة أخرى أمام القمة العربية الموسعة المقبلة في أكتوبر المقبل.
ولم يمنع هذا الخلاف من اتفاق الزعماء الخمسة على بعض الخطوات والتوصيات لتفعيل العمل بالجامعة العربية التي ستحافظ على اسمها بعد إضافة لا لزوم لها لتكون «اتحاد جامعة الدول العربية»!!
ولعل أبرز التوصيات هي إضافة قمة تشاوريه تعقد بمقر الجامعة بالقاهرة بالإضافة إلى القمة الدورية مما يوفر لقاء بين القادة كل ستة شهور على الأقل، بالإضافة إلى تحويل المجلس الاقتصادي والاجتماعي إلى مجلس تنفيذي على مستوى رؤساء الحكومات يتولى الإشراف على تنفيذ قرارات القمة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
وهي خطوة يمكن أن تكون مهمة لو صحت النوايا، ويمكن أيضاً أن تكون مجرد إضافة لقاءات روتينية لو غابت الرؤية والإرادة الحقيقية على تجاوز الأزمة التي تمر بها الأمة.
فمثل هذا المجلس التنفيذي يمكن أن يسد الفجوة بين قرارات القمة التي تصدر وبين الواقع الذي يضع مسئولية تنفيذها في يد إدارة الجامعة التي لا تملك أي سلطة فعلية على الدول الأعضاء، كما أن هذا المجلس.
وبهذا المستوى من التمثيل يمكن أن يحدث اختراقاً حقيقياً في المجالات الأساسية التي طال إهمالها في العمل العربي المشترك رغم أنها هي الأساس الصحيح لأي تقدم عربي وهي المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتعاون المطلوب من أجل تنمية حقيقية يستفيد منها كل مواطن عربي وتحقق المصالح المطلوبة لكل الأطراف لو أحسنا استغلال كل ما نملكه من إمكانيات بشرية واقتصادية.
لم يكن أحد ينتظر المعجزات من هذه القمة المصغرة. وحتى ما تم الاتفاق عليه من توصيات سيبقى رهن إرادة سياسية مطلوب منها أن تكون قد استوعبت درس السنوات الصعبة الماضية، وأن تدرك حجم المخاطر التي تهددها والتي لن تستثني قطراً عربياً واحداً من آثارها.
لقد مر العمل العربي المشترك بأزمة رهيبة بعد خروج مصر من المواجهة مع إسرائيل قبل ثلاثين عاما، ثم تلقي طعنة قاتلة بغزو الكويت وما تلاها من تداعيات انتهت بتدمير العراق وباستباحة المنطقة العربية من كل القوى الإقليمية والعالمية في غيبة أي تفعيل للعمل العربي المشترك.
ومع انقسام عربي أصاب كل مؤسسات العمل العربي بالشلل، ومع الترويج لمقولة ان العروبة وهم، وأن القومية العربية أكذوبة كبيرة!!
الآن.. يقف العرب جميعاً أمام الحصاد المر لكل ذلك. بعد كارثة العراق، يقع السودان برهن التقسيم، وتهدد الأخطار وحدة اليمن، والصومال لم يعد احد يتذكر مأساته.
وشبح الحرب يخيم على المنطقة، ووعود السلام انتهت إلى هذا الكابوس الذي تعيشه فلسطين، والرهانات على كل الأطراف غير العربية لم ولن تحقق إلا مصالح هذه الأطراف وعلى حساب العرب ومن حسابهم!!
في ظل هذه الأوضاع، يصبح البحث عن بداية أخرى أو نقطة انطلاق جديدة للعمل العربي المشترك ضرورة حياة لكل العرب الذين يدركون الآن وأكثر من أي وقت مضى أنهم جميعاً يواجهون الخطر.
وانه مهما كانت درجة القرب من هذا الطرف الخارجي أو ذاك، فإن العمل العربي المشترك وحده هو القادر على استعادة القدرة على الفعل، وبالتالي عودة العرب كطرف أساسي في تحديد مصيرهم وحماية مصالحهم واستعادة حقوقهم وبناء مستقبلهم وليس تركه بأيدي الآخرين.
ولن يحدث شيء من ذلك بتغيير لافته الجامعة العربية وإنما بتغيير مضمون العمل المشترك وتفعيل مؤسساته، ولن يحدث ذلك بالقفز للمجهول عبر مشروعات وهمية بل بالتعامل مع الواقع العربي والانطلاق منه والبناء عليه. إن القمة المقبلة بعد شهور ستنعقد وسط ظروف بالغة الدقة.
فشل في جهود السلام على الجبهة الفلسطينية، واشتعال للموقف في الملف الإيراني، وتهديد بحرب إسرائيلية جديدة، وعراق تتنازع الأطراف الإقليمية على الهيمنة عليه بعد الاحتلال الأميركي أو بالاتفاق معه، وسودان يحتاج لكل الجهد العربي لمنع تقسيمه، ويمن مهدد بالانقسام وبالتطرف.
ولن ننتظر من القمة المقبلة المعجزات، يكفي أن تقر التوجيهات الخاصة بالمجلس التنفيذي من رؤساء الحكومات وترصد المبالغ الكافية لبدء برنامج حقيقي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ويكفي الإعلان عن خطوات لتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك التي وضعت في الادراج، ويكفي الاتفاق على فرص (نعم فرص) التوافق بين الأطراف الفلسطينية وإنشاء مجموعة عربية لإدارة الصراع، وبعدها لن يعاملنا العالم كمتسولين للسلام، ولن نكون مطالبين بتسديد فواتير ضعفنا للأعداء، وأيضاً للأصدقاء!!
كاتب صحافي مصري
galal.aref@hotmail.com