يأتي الإعلان عن اكتشافِ شبكةٍ جاسوسيةٍ مزعومة، تعمل في الولايات المتحدة لصالح روسيا، في توقيت ملفت للنظر ومثير للتساؤلات، حيث خرج الخبر بعد يومين فقط من مغادرة الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف للولايات المتحدة بعد زيارة لها لاقت ترحيبا كبيرا.

خاصة من الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ومن الواضح أن خطوات أوباما في التقارب مع روسيا لا ترضي لوبي أنصار الحرب الباردة السابقة في الولايات المتحدة.

هؤلاء الذين اعتادوا دائما ولسنوات طويلة على التعامل مع روسيا كعدو رئيسي تحشد في مواجهته كل القوى والخطط، وعلى ما يبدو أنهم لا يعرفون عدوا آخر، ولكن للأسف أن خبرتهم في هذا الشأن تآكلت وشاخت ولم تعد تصلح.

ويبدو هذا الأمر واضحا في كم المعلومات عن الأشخاص المقبوض عليهم والمشتبه فيهم كأعضاء في هذه الشبكة المزعومة قبل أن يحالوا للتحقيق القضائي، ومنها تأكيد مكتبَ التحقيقات الفيدرالي الأمريكي أن أعضاءَ الشبكة ضباطٌ في المخابرات الخارجية الروسية.

وهذه في حد ذاتها معلومة هامة للغاية وتصعب معرفتها حتى من خلال التحقيقات الطويلة، إذ يصعب تحديد إذا ما كان المشتبه فيه مجرد عميل جندته المخابرات ليعمل لحسابها مقابل شيء ما، أم أنه ضابط مخابرات فيأخذ وصف جاسوس.

والدليل على التخبط أن وزارة العدل الأمريكية سارعت إلى نفي هذه المزاعم التي ذكرها مكتب التحقيق الفيدرالي، مؤكدة أنّه ليس لديها ما يثبت أن المعتقلين تلقوْا أو سلموا معلوماتٍ سريةً لجهة ما.

وتعليقا على هذه التناقضات، يقول مديرُ مركزِ كارنيغي في موسكو دميتري ترينين إن هذه الفضيحة افتعلها إما ساسة أمريكيون منزعجون من الانفتاح الكبير الذي يبديه الرئيس باراك أوباما على القيادة الروسية.

وإما رجالُ الأجهزةِ الأمنية الأمريكية الذين أرادوا استعراض مهاراتهم بعد سلسلة من الإخفاقات. وبهذا فإن هؤلاء يضعون مصالحَهم الضيقة فوق مصالح بلادهم.

موسكو التي تعاملت مع الأمر بشيء من الاستخفاف والسخرية كانت منذ البداية على ثقة بأنّ إدارة أوباما لم تشارك في افتعال هذه القضية.

ولقد انعكس ذلك في ضبط النفس الذي أبدته، أملا في تطويق هذه المغامرة بأسرع ما يمكن. وتؤكد مصادرُ أن تعليماتٍ سريةً صدرت للجهات المعنية في روسيا بالامتناع عن الإدلاء بأية تصريحات تخص هذه الحادثة.

لا شك أن الأجهزة الأمنية الروسية تحتفظ لديها بأوراقٍ مماثلةٍ لكي تطرحَها عند اللزوم، وقد سبق أن افتعلت بريطانيا قضية جاسوسية ضد روسيا منذ أعوام قليلة فكان رد موسكو سريعا بطرد دبلوماسيين بريطانيين يعملون في روسيا بتهمة التجسس وأيضا إغلاق المركز الثقافي البريطاني في موسكو للاشتباه في أنشطته، ولكن هل تفعل موسكو مع واشنطن ما فعلته من قبل مع لندن؟

الحقيقة أن الوضع يختلف، والعلاقات بين روسيا والولايات المتحدة تختلف كثيرا عن العلاقات بين روسيا وبريطانيا التي يشوبها التأزم والخلافات والمشاكل منذ أكثر من خمس سنوات مضت، بينما العلاقات بين موسكو وواشنطن تتحسن وتنمو بشكل ملحوظ.

وخاصة مع مجيء الرئيس أوباما للحكم في البيت الأبيض وإبدائه حسن النوايا تجاه روسيا، ولهذا فإننا نعتقد أن هذه الحادثة لن يكون لها أي تأثير في نمو العلاقات بين موسكو وواشنطن، خاصة وأن هناك يقينا لدى موسكو أن المستهدفَ من تفجير هذه القضيةِ في هذا الوقت بالذات.

هو التقارب بين روسيا والولايات المتحدة، الذي بدأ يتبلور في الآونة الأخيرة. وفي هذا السياق يؤكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أنه ليس من قبيل الصدفة أن يتم الكشفُ عن شبكة التجسس المزعومة بعد بضعة أيامٍ من زيارة الرئيس ميدفيديف للولايات المتحدة.

صحيفة «كوميرسانت» الروسية