عُقدت في الأسبوع الماضي قمة ضمت خمسة قادة من قادة العالم العربي لمناقشة سبل تطوير منظومة العمل العربي المشترك، وإعداد تقرير لعرضه على قمة عربية استثنائية من المفترض أن تعقد في شهر أكتوبر المقبل.
لقد حملت اليمن لواء التحول بالجامعة العربية إلى اتحاد عربي من خلال مقترحها الذي تقدمت به أثناء قمة سرت العربية التي عقدت في أواخر مارس الماضي.
والحقيقة هي أن هذه الخطوة إيجابية لاعتبارين مهمين، الأول هو أن عقد قمم مصغرة لمناقشة القضايا المختلفة التي تهم العمل العربي المشترك هو عمل إيجابي وعُرف جميل، يمكن أن تلتزم به الجامعة العربية في تعاملها مع مختلف القضايا العربية المهمة لأنه يسهل من عملية متابعة الأمور وعدم تركها لفترات طويلة دون مراجعة، وبالتالي دفع العمل العربي المشترك إلى الأمام.
والثاني هو أن الجميع مقتنع بأن هناك حاجة في العالم العربي إلى إصلاح منظومة العمل العربي المشترك، وكلنا قناعة بأن الجامعة العربية في شكلها الحالي لا يمكن أن تحقق طموح الشعب العربي فيما يسعى إلى الوصول إليه في نطاقه العربي.
حيث ان هذه الجامعة قد أثبتت عجزها في الكثير من الأمور طوال فترة الخمسة والستين عاماً منذ نشأتها ولم تستطع أن تحقق التكامل والاندماج العربي المطلوبين.
وبالتالي فإن استمرارها بهذه الطريقة لن يأتي بشيء جديد، وعليه فهي بحاجة إلى إصلاح من شأنه دفع العمل العربي المشترك إلى الأمام.
ولكن دعونا نعترف بأن التحول بالجامعة العربية إلى اتحاد عربي في ظل وضعها الراهن البعيد عن التكامل المطلوب لإنجاح الاتحاد إنما هو إجحاف في حق الجامعة، ورمي حمل ثقيل جديد عليها لن يجعلها قادرة على أن تأتي بجديد سوى التغير في الاسم.
ولكن الحقيقة أن المشكلة ليست في الاسم قدر ما هو في طبيعة عمل الجامعة التي لم تنجح في خلق أرضية لنجاح العمل العربي المشترك بطريقة أكبر وأوسع مما هي عليه اليوم.
ومقارنة الجامعة بالاتحاد الأوروبي ودعوتها للتحول بالجامعة لتصبح اتحاداً تيمناً بالأوروبيين إنما يحمل في ظله مغالطة كبيرة حيث ان الاتحاد الأوروبي لم يصبح اتحاداً إلا بعد أن تمكنت دوله من الوصول إلى أرضية مشتركة تجعله ينطلق نحو الوحدة وهي الأرضية الاقتصادية التي لم نتمكن نحن في العالم العربي من إيجادها بعد.
فالأوروبيون كانوا جادين في مجال وحدتهم الاقتصادية منذ اتحاد الفحم والصلب الأوروبي في عام 1951 الذي ضم في عضويته كلا من ألمانيا الغربية وفرنسا وإيطاليا ودول البينلوكس (بلجيكا وهولندا ولكسمبورغ).
ومن ثم أسسوا السوق الأوروبية المشترك في عام 1975 والتي بدورها أسست للاتحاد الجمركي الأوروبي الذي بدأ في الإلغاء التدريجي للرسوم والضرائب على الحدود بين الدول الأعضاء، ولم يتم إنشاء الاتحاد الأوروبي إلا بعد استكمال تلك العملية في عام 1992.
والتي بدورها سهلت العمل التكاملي الأوروبي نحو مزيد من الاندماج بإنشاء البرلمان الأوروبي والعملة الأوروبية وتسهيل عملية دخول وخروج البضائع والأفراد بشكل حر بين دول الاتحاد.
لكن في حالة الدول العربية فإنه إلى اليوم لا توجد أرضية قوية وصلبة يمكن الانطلاق من خلالها نحو تحقيق مزيد من التكامل بين دول المنطقة، وبالتالي تحويل الجامعة إلى اتحاد.
فسياسياً نجد الدول العربية مختلفة بشكل كبير فيما بينها إزاء الكثير من القضايا التي تمس أمننا ومصيرنا المشترك فلا أرضية في هذا المجال، وللأسف الشديد، بين الدول العربية لتفتح المجال نحو الوحدة.
واقتصادياً ما زلنا دون الطموح حيث ان السوق العربية المشتركة ما زالت في بداياتها ومازال التبادل التجاري العربي البيني يمثل أقل من 10% من حجم التجارة العربية مع الخارج، في حين التبادل التجاري البيني بين الدول الأوروبية يصل إلى أكثر من 65% من إجمالي حجم تجارتهم.
فالدول العربية بحاجة قبل أن تنطلق نحو مشروع جديد يجسد روح جديدة للعمل العربي المشترك أن تجد لنفسها أرضية مشتركة تنطلق من خلالها إلى تفعيل العمل العربي المشترك.
وإذا ما أخذنا الاتحاد الأوروبي كمثل نحتذي به فإن الاتحاد الأوروبي بنى نفسه على أساس هذه القاعدة حيث انطلق من الأرضية الاقتصادية نحو تحقيق مزيد من التكامل على مستوى المنظومة، وبالتالي فإننا في العالم العربي بحاجة إلى أن ننطلق بحذر نحو إنجاز التكامل العربي ولا نجعل العاطفة تجرنا نحو ما لا نستطيع أن نحققه.
فالتغير في الشكل يمكن أن يحدث بتغير المسمى من جامعة إلى اتحاد وإنشاء برلمان عربي مجوف لا قوة له، ولكن ليس هذا هو المطلوب وإنما المطلوب التغير في المضمون ليصبح العمل العربي المشترك أكثر ثباتاً وقوة وفاعلية عما هو عليه طوال الخمسة والستين سنة الماضية.
فالتغير لا بد أن يأتي من خلال وضع الرؤى السليمة من خلال إنشاء لجنة خبراء عربية تتكون من مجموعة من الخبراء في المجالات المختلفة تجتمع وتضع تصوراتها للسياسيين للنظر في الموضوع والبت فيه.
نحن على قناعة أن المقترح اليمني ينطلق من إيمان بالمصلحة العربية لكن يجب أن يأتي التغير بطريقة متدرجة ومتأنية تنطلق من أرضية قوية يمكن التأسيس عليها لإنجاح العمل العربي المشترك.
جامعة الإمارات
binhuwaidin@hotmail.com
