لسنا بحاجة لإعادة التذكير بالبديهيات البسيطة أو بالمسلمات الأولى في تراثنا العربي مثل الاتحاد قوة والتفرق ضعف»، أو «اليد الواحدة لا تصفق»، أو نعيد ترديد بعض أبيات الشعر العربي التي عكست حكمة العرب الأوائل مثل قول الشاعر: «تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا ..
وإذا افترقن تكسرت أحاد»، أو في قول الشاعر الإسلامي الكبير محمد إقبال: «وبالتوحيد للهمم اتحاد.. فلن تبنوا العلا متفرقين» لنؤكد أولا، حقيقة الوحدة بين شعوبنا العربية والإسلامية، وثانيا، ضرورة الوحدة بين كياناتنا القطرية العربية والإسلامية المجزأة.
والوحدة هي الأصل والانفصال هو الفرع.. والوحدة هي القاعدة والانقسام هو الاستثناء.. والوحدة هي القوة والفرقة هي الضعف، الوحدة بهذا كله هي الخير والتجزئة هي الشر، والوحدة بين شعوبنا هي إرادة حقيقة رغم واقع التجزئة والانقسام، والوحدة بين فرقاء الوطن وشركاء الأمة ضرورة مصيرية رغم واقع الاختلاف والخلاف، سواء كانت هذه الوحدة وطنية أو عربية أو إسلامية.
من هنا كان الزعيم السوري العربي في الاحتفال بإعلان أول وحدة عربية بين مصر وسوريا برئاسة الزعيم العربي جمال عبد الناصر عام 58 بليغا بقوله «إننا لا نأتي بجديد بل إننا نصحح الأوضاع».
أما عن الوحدة كضرورة فهذا ما يشير إليه هوان الحاضر، ويلح عليه ضمان المستقبل، وما تدفع إليه تحديات الحاضر وما تطمح إليه تطلعات المستقبل، والإشارة إلى حقيقة الوحدة كإرادة ليست وهما يخالف للواقع، والدعوة إليها ليست مجرد شعارات تقفز على الواقع، بل إن الواقع نفسه هو الذي فرضها في الماضي، ويفرضها في الحاضر، وسيفرضها المستقبل على كل من لا يحسنون قراءة هذا الواقع في الماضي والحاضر..
في الماضي، واقع التجزئة للأمة الإسلامية الذي هو من مخلفات الحرب العالمية الأولي بضرب آخر أشكال الوحدة الإسلامية في ظل الدولة العثمانية، وواقع التقسيم للوطن العربي بتوزيع أجزائه بين مناطق النفوذ باتفاقية «سايكس ـ بيكو» ليبقى واقع الحدود والسدود بين أجزاء الوطن العربي قائما بحراستنا حتى اليوم.
بينما هو من بقايا الاستعمار الإنجلو فرنسي الذي كان من الواجب أن يزول بزوال الاستعمار الذي لم يحتل الوطن العربي إلا بعد سقوط الدولة العثمانية، وواقع زرع الاستعمار البريطاني لإسرائيل كقاعدة استعمارية أنجلو أميركية في قلب الوطن العربي لفصل مشرقه عن مغربة ولمنعه من استعادة وحدته أو إعادة نهضته..
وفي الحاضر، واقع الاحتلال العسكري الصهيو أميركي لبلاد عربية وإسلامية كفلسطين والعراق وأفغانستان، وإشعال الحروب الأهلية والفتن الوطنية لفرض مزيد من التجزئة والتقسيم لإنتاج مزيد من الضعف والتخلف والتبعية وغياب الاستقلال الكامل.
وواقع التخلف الاقتصادي والاجتماعي عن العالم وغياب التنمية والتقدم، وواقع تغييب الإرادة الشعبية الحقيقية سواء في المشاركة في بناء الوطن أو في توحيد الأوطان بتغييب الديمقراطية تحت ضغط قوى الفساد والاستبداد التي تربط مصالحها بمصالح الاستعمار القديم والجديد في إبقاء الوضع الراهن للوطن العربي على ما هو عليه من تجزئة وتخلف وتبعية ؟
وأظن وليس كل الظن إثماً أنه لو طرح سؤال الوحدة في استفتاء حقيقي حرفي ظل ديمقراطية حقيقية دون تزييف أو تزوير لإرادة الشعب العربي على اختلاف دياناته وأيديولوجياته، وعلى الشعوب الإسلامية على اختلاف مذاهبها وقومياتها، أن الوحدة ستكون هي خيارها الديمقراطي، فلا أظن أن هناك عربياً غير سقيم العقل والقلب والوجدان من الخليج إلى المحيط، أو مسلم سليم العقل والقلب والوجدان من المحيط إلى المحيط لا يريد إعادة الوحدة العربية التي لا يريدها الاستعمار، أو استعادة الوحدة الإسلامية التي يريدها الله للمسلمين.
لكن الفارق كبير بين إرادة الوحدة وإدارة الوحدة، فإرادة الوحدة هي إرادة الشعب التي هي من إرادة الله وهي التيار الغلاب الجامع بين شعوبنا رغم تعدد الأقطار واختلاف الأمصار، وإدارة الوحدة هي إدارة النظم السياسية الحاكمة لعملية تحويل الإرادة الشعبية العربية إلى واقع حقيقي، لكنها بكل أسف بقيت إلى اليوم هي التيار الغلاب الفاصل بين أقطارنا رغم وحدة الشعوب ورغم إرادة الشعوب.
كاتب مصري