ليس للصحف مستقبل مضمون، لكن للصحافة مستقبلها بلا أدنى شك. هذا هو الدرس الذي تعلمناه من خلال المنافسة الحامية، التي دارت رحاها حول الاستحواذ على صحيفة «لوموند» مؤخراً.

فقد جرت منافسة حامية وشديدة حقاً بين المستثمرين، للهجوم على شراء هذه الصحيفة، ونجح من بينهم ثلاثة فرسان هم: بيير بيرجيه وكسافييه نيل وماتيو بيجاس. وهم ينحدرون من أصول وخلفيات متضاربة تماما، ولكنهم يشتركون في سمة واحدة، وهي أنهم جميعاً فخورون بنجاحاتهم الداخلية، سواء على صعيد المال أو الإبداع. هؤلاء يشكلون الكتبة الأولى، وفي المقابل، هناك علم من أعلام الصحافة مليء بالجرأة والمغامرة والأريحية، وهو كلود بيردريل، الذي يقف على رأس شركتين عملاقتين هما:

شركة كبيرة للاتصالات هي «أورنج»، ثاني شركة اتصالات في فرنسا بعد «تليكوم»، وشركة بريسا؛ المجموعة الرئيسية للصحافة الإسبانية. وكما نقول باللهجة الدارجة «إنه شخصية من العيار الثقيل»..

والسؤال المطروح هنا هو: لماذا يرمي هؤلاء المديرون الشياطين المدججون بالتجارب، بكل ثقلهم على صحيفة مثل «لوموند»، التي أضحت على حافة الإفلاس، وبدت أصولها المالية الموجودة في الصناعة والسوق التجاري، على وشك النضوب بشكل أو بآخر؟

هل هي الرغبة في التأثير؟ إذا كان الأمر كذلك، لماذا قدموا الضمانات، سواء بالكلام أم بالأعمال، في الحفاظ على استقلالية التحرير؟

وهل هي إرادة الظهور واللمعان؟ ربما، ولكن ثمن هذا الظهور واللمعان غال جداً، في امتلاك هذا الامتياز المشترك الذي يتوزع بين ثلاثة أشخاص، وهو هدف يكاد يكون أفلاطونياً بريئاً.

لا أعتقد ذلك، فهؤلاء المستثمرون الذين بلغ عددهم ستة أشخاص، خمنوا على الرغم من كل المصاعب التي سيواجهونها، أن صحيفة من عيار «لوموند» تستحق كل هذا العناء وكل هذه المخاطر، سواء على الصعيد المالي أو المعنوي.

ما هي الأسباب الكامنة وراء ذلك؟ الإجابة هي أن صحف مجموعة «لوموند»، تجسد نموذجاً لتكثيف العمل الصحافي والإعلامي الذي امتد على أجيال متعاقبة، من خلال مواهبهم الجماعية، فأسسوا ما يمكن أن نعتبرها نوعاً من «المشغل» أو «ورشة عمل»، ذات مصداقية وتأثير في إنتاج المعلومات وتصنيعها، وبثها، وتسويقها على مستوى عال من الحرفية.

هؤلاء المستثمرون المغامرون على حق في اتخاذ قراراتهم الحاسمة بالاستحواذ على هذه الصحيفة، ويمكن القول؛ دعمها من خلال استثماراتهم، لأن الاستثمار في الصحافة لا يعني الأموال فقط، بل يعني التحليق نحو أفق مستقبلي آخر.

صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية