تنعقد آمال الحكومة الألمانية على «ميسوت أوزيل» و«توماس مولر» لإنقاذها من ورطتها وفشلها الكبير، وهذان الرجلان ليسا وزيرين، وإنما نجما كرة قدم في المنتخب الألماني، وفي حالة نجاح المنتخب الألماني في الظفر بكأس العالم، فإن ذلك سيغير من مصير المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وحزبها بشكل كبير، وسيحتفل الألمان دون كلل أو ملل، ويتناسون حكومتهم الكارثية.
هذا احتمال قد ينجح لأنه نجح سابقاً في الكثير من الدول الفقيرة، التي لم تنجح حكوماتها في الاستمرار إلا لأن حب كرة القدم يسري في دماء شعوبها.
تحالف الحكومة الألمانية يشبه تحالفات الحكومة البريطانية، فهو عبارة عن اتفاق بين حزب المحافظين وحزب الديمقراطيين الليبراليين الأحرار، لكن بخلاف بريطانيا، فالحكومة الألمانية لم تعش شهر عسل ولو ليوم واحد في الحكم. فالخلافات الداخلية بين أعضاء الحكومة مستمرة لا تتوقف، وهناك الكثير من الاختلاف في الرأي والفوضى، ويشتم أعضاء الحكومة بعضهم بعضا، وينعتون بعضهم بال«الخنزير البري».
وفي الوقت الذي يركز فيه حزب المحافظين على مسائل المساواة في الحقوق المدنية وحماية البيئة، تجد أن حزب الديمقراطيين الليبراليين الأحرار لا يزال يعيش حقبة الثمانينات، حيث إنه لا يجيد الحديث سوى عن مسألة واحدة ووحيدة، وهي رغبته في تقليص الضرائب، أو على الأقل منع الضرائب من الارتفاع، كما أن أعضاء الحكومة الحالية، وخاصة وزارة الخارجية الألمانية بقيادة الوزير «غيدو فيسترفيللي»، يتجاهلون تداعيات الأزمة المالية العالمية الكبيرة.
حتى هذه اللحظة نجح الجميع في الاختلاف على كل شيء؛ الميزانية والإصلاح الصحي وكيفية إعانة شركة أوبل للسيارات، وقد وصلت الحال إلى الحضيض أخيراً عندما قدمت ميركل وفيسترفيللي اقتراح تخفيض نفقات يهدف إلى توفير 80 مليار يورو حتى عام 2014، غير أن هذا الاقتراح لاقى معارضة من جميع الأطراف، وتجمع أكثر من 20 ألف ألماني للتظاهر ضده، ورأى فيه حزب المحافظين ظلماً اجتماعياً، حيث لن يسهم فيه الأغنياء بشيء.
الكثيرون كانوا ينعتون أنغيلا ميركل بملكة ألمانيا، نظراً لأسلوبها الرئاسي في التعامل مع القضايا المختلفة. ففي التحالف الكبير الذي يضم الديمقراطيين الاشتراكيين، لم تجد لنفسها الكثير لتعمله في ظل وجود أعضاء فعالين ونشطين مثل وزير المالية بيير شتاين بروك، لكنها حالياً تبدو ضعيفة في تحالفها الجديد، وغير قادرة على التحكم في سير النقاشات بين أعضاء حكومتها، لدرجة أنها تبدو جاهلة لأهداف حكومتها.
كما أنها ارتكبت العديد من الأخطاء، حيث إنها لم تذهب شخصياً لمحاولة إقناع الرئيس هورست كولر بالبقاء في منصبه والعدول عن قرار الاستقالة، وبدلاً من ذلك حادثته بالهاتف، كما أنها أهانت حلفاء مهمين لها مثل وزير العمل «أورسولا فون دير لين».
يمكن الإحساس بضعف ميركل في أوروبا أيضاً، فمع تدهور العملة الحالي كان يمكن للمستشارين السابقين ـ لو كانوا موجودين حالياً ـ أن يأخذوا زمام المبادرة، وأن يكون لهم دور كبير في القارة الأوروبية. غير أن ميركل لا يبدو عليها الاهتمام كثيراً بما يجري، كما يبدو أنها سعيدة بتسليم زمام المبادرة للرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي، ليضع قوانين جديدة للبنك المركزي الأوروبي.
وقد تأكدت الفروقات بين ميركل وساركوزي في اللقاء الأخير الذي جمع بينهما، حيث إنهما رغم حديثهما عن موضوع واحد، وهو سياسة اقتصادية موحدة لأوروبا، إلا أن كل واحد فيهما كان يقصد شيئاً مختلفاً. فميركل كانت تهدف إلى مزيد من التنسيق وفرض عقوبات أشد على الدول التي تسرف في الإنفاق، أما ساركوزي فكان يطالب ألمانيا بالمزيد من الالتزام والتضامن.
وفي الماضي انتقد ساركوزي سياسات ألمانيا في الحد من النفقات، وبالتالي فالتوحد والتفاهم بين البلدين الذي شهده العالم أيام فرانسوا ميتران وهيلموت كول، ذهب إلى غير رجعة.
يوم الحقيقة قادم قريباً، وتحديداً بعد انتخاب رئيس جديد لألمانيا في الثلاثين من يونيو المنصرم، ولا شك أن انتخاب مرشح ميركل «كريستسان وولف» بعد حصوله على أصوات كافية، قد جنبها نهاية هذا التحالف الحكومي وبالتالي إجراء انتخابات جديدة، كما كان يعني ذلك أن العديد من أعضاء البرلمان سيفقدون وظائفهم في هذه الحالة، لذلك فإن آمالهم ستكون معلقة على يوم 11 يوليو، وهو اليوم الذي ستختتم فيه نهائيات كأس العالم، حيث يأملون أن تظفر ألمانيا باللقب وينشغل الناس بالفوز.
كاتبة صحافية ألمانية