هل اقتربت النهاية الأميركية في أفغانستان؟ هل أوشكت القوات الأميركية على تلقي الهزيمة الحاسمة النهائية على أيدي قوات طالبان؟

مثل هذه الأسئلة المصيرية، هي التي يمكن أن تستخلص من ما تكشف عنه وسائل الإعلام الأميركية على نحو يومي، من تعليقات ومناقشات حادة تنبئ عن خلافات وراء ستار، بين كبار العسكريين الأميركيين ورصفائهم من كبار السياسيين داخل البيت الأبيض.

ولأن علامات الفشل النهائي للولايات المتحدة في الحرب الأفغانية أخذت تلوح على الأفق القريب، فإن العسكريين يتبادلون الاتهامات مع السياسيين، بحيث إن كلا من الفريقين يلقي باللائمة على الفريق الآخر حول أسباب الفشل.

هذه هي صورة المشهد الراهن الذي كشف عنه في الأسبوع المنصرم، قرار الرئيس باراك أوباما بإقالة قائد القوات الأميركية في أفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال، استنادا إلى أن الجنرال فقد صفته الانضباطية، بإدلائه بحديث صحافي تنطوي فيه تصريحاته الانتقادية على إشارات تهكم واستخفاف وسخرية من بعض كبار المسؤولين في البيت الأبيض، حول استراتيجيات وسياسات الإدارة الأميركية تجاه الحرب في أفغانستان وطرائق إدارتها، وكأن الجنرال يحملهم مسؤولية التراجع المتسلسل في أداء القوات الأميركية.

ربما يكون السؤال الأول والأساسي، هو: هل الجنرال ماكريستال على حق؟ غير أن السؤال الأهم هو: لماذا اختار الجنرال الفرقعة الإعلامية كطريقة لانتقاد رؤسائه المدنيين السياسيين؟

لو صدر مثل هذا المسلك غير الطبيعي من ضابط صغير قليل الخبرة قليل الانضباط، لجاز تفهّمه. لكن الجنرال ماكريستال، إذ يتميز بخبرة السنين الطويلة في الخدمة، واشتهر بالانضباط شبه الحرفي في حياته العسكرية، فإنه ليس من المعقول تفهم مسلكه، إلا إذا كان لديه هدف خفي يعتمل في ذهنه.

عن جيم جونز مستشار الرئيس أوباما لشؤون الأمن القومي، قال ماكريستال إنه «مهرج». وعن نائب الرئيس جو بايدن قال إنه «نكرة جاهل»، ووصف ريتشارد هولبروك المبعوث الأميركي الخاص إلى أفغانستان، بأنه «مهووس». ولم يوفر ماكريستال الرئيس أوباما نفسه، فاتهمه بأنه ضعيف في حضرة كبار العسكريين.

والسؤال الأول الذي يطرح هو: ألم يكن الجنرال ماكريستال يدرك سلفا أنه بمثل هذه التصريحات الحادة العلنية، بشأن الكبار الملتفين حول الرئيس، بل وبشأن رئيس الولايات المتحدة نفسه، يخاطر بفقدان منصبه، وهو العسكري الرصين المخضرم الذي بلغ به انضباطه مرتبة أسطورية؟.. من المؤكد أنه كان يدرك العاقبة مقدما. وإذن، هل أراد الجنرال لنفسه أن «ينتحر» مهنيا؟

قطعا، لا.

والاستخلاص النهائي هو، إذن، أن الجنرال ماكريستال رسم لنفسه خطة ذاتية للقفز من سفينة توشك على الغرق. فلو أن هناك مسؤولا أميركيا واحدا، يعلم علم اليقين أن الولايات المتحدة باتت موعودة بهزيمة نهائية قريبة في الميدان الأفغاني، فإن مثل هذا المسؤول لن يكون سوى قائد القوات الأميركية (وقائد قوات الحلف الأطلسي أيضا) الجنرال ماكريستال.

لقد أدرك أن الفصل الأخير للحرب قد بدأ بالفعل، وأن عليه بالتالي ألا يبقى في منصبه، حتى لا يختم حياته العسكرية بفشل كبير وحاسم يدخل صفحات التاريخ، ليبقى إلى الأبد وصمة ملتصقة باسمه. وبالطبع كان الجنرال يعلم أيضاً أن كبار المسؤولين في البيت الأبيض ـ ومعهم الرئيس نفسه ـ لن يوفروا جهدا لتحميله مغبة الفشل، بوصفه القائد المباشر الحاضر في الميدان.

على نحو أو آخر يعيد التاريخ نفسه، فالمشهد الراهن في أفغانستان يذكرنا بالفصل الأخير للحرب الأميركية في فيتنام، التي تواصلت في منتصف ستينات القرن الماضي إلى منتصف عقد السبعينات.

لقد بدأ الغزو الأميركي آنذاك ببضعة آلاف من الجنود، ثم أخذ العدد يتضاعف مع مرور سنوات القتال، حتى بلغ في الفصل الأخير نحو 500 ألف جندي. ومع ذلك كانت القلاع الأميركية تتهاوى والجنود الأميركيون يسقطون بأعداد متصاعدة، تحت وطأة حرب العصابات التي كان يتفنن فيها مقاتلو الثورة الفيتنامية، إلى أن سلمت إدارة الرئيس ريتشارد نكسون بالهزيمة وانسحبت الولايات المتحدة تاركة فيتنام لأهلها.

عندما نستعيد تفاصيل هذا المشهد القديم، فإننا نستذكر اتهامات الفشل المتداولة بين العسكريين والسياسيين الأميركيين في ذلك الحين.

قبل حلول الفصل الأخير للحرب الفيتنامية، ظهرت مؤشرات أولية أبرزها ما عرف باسم «هجوم الربيع»، حين تساقط على أيدي الثوار نحو مئة موقع أميركي دفعة واحدة، في طول الأرض الفيتنامية وعرضها.

كان أول من التقط مغزى هذا المؤشر هو وزير الدفاع روبرت ماكنمارا، فقدم استقالته بعد أسابيع فقط من ذلك الهجوم الملحمي. وفي مذكرة الاستقالة ذكر أن سبب مغادرته السلطة، هو أن الرئيس لم يأخذ بنصحه في وضع نهاية لحرب اعتبرها خاسرة حتميا.

هكذا نأى ماكنمارا بنفسه في الوقت المناسب، فلم تمسه الاتهامات المتبادلة التي اشتعلت بين العسكريين والسياسيين. والآن تأتي إقالة الجنرال ماكريستال لتكشف لنا عن معركة مماثلة، كانت تدور في الخفاء حول طريقة إدارة الحرب في أفغانستان، فأخذت الآن تخرج إلى السطح.

والآن، ماذا عن المستقبل القريب؟

مع توالي التراجع العسكري الأميركي في الميدان، يقترح بعض مستشاري أوباما «أفغنة الحرب»؛ بمعنى نقل مهمة القتال بالكامل إلى جيش حكومة الرئيس الأفغاني حامد كرزاي، بدعم أميركي من على بعد.هنا يعيد التاريخ نفسه أيضا.

فخلال الفصل الأخير من الحرب الأميركية في فيتنام، ابتكر الرئيس نكسون «فتنمة الحرب». ولكن ما ان بدأت القوات الأميركية في الانسحاب تطبيقا لهذه السياسة، حتى كان أول الفارين رئيس حكومة فيتنام العميلة لواشنطن الجنرال نغوين فان ثيو!

كاتب صحافي سوداني

hisham200775@yahoo.com