اختيار رئيس لألمانيا هو عمل ممل في حد ذاته. والسبب في ذلك يرجع بشكل رئيسي إلى أن آخر رئيس أضفى إثارة حقيقية على هذا المنصب، كان هو أدولف هتلر. ومنصب رئيس ألمانيا منصب شرفي، ويتم الانتخاب بالاقتراع السري في جمعية خاصة من أعضاء البرلمان وممثلي الولايات، وحتى من المشاهير.
وليس هناك أي توجه لجعله اقتراعا مباشرا، مع أن إجراء من هذا النوع سيلقى شعبية كبيرة في بلد بات يثق في قدرة مؤسساته الديمقراطية. والسبب وراء عدم الانتخاب المباشر للرئيس، هو مسألة تتعلق بالتاريخ، وهي منع ظهور موجة من الشعوبية، أي توحد الشعب في مطالبة النخب الحاكمة بالتغيير السياسي.
ورغم ذلك فقد ساهمت ثلاث جولات من التصويت ليلة الأربعاء الماضي في الرايخستاغ، في استعادة الدراما المفقودة التي يسعى الدستور الألماني بإصرار لمحوها. ورغم المنافسة الحامية في عملية التصويت التي وصفت بأنها كانت عملية «عض أصابع»، فإن الصراع كله لم يكن بين المرشحين للمنصب، بقدر ما كان يتعلق بحظوظ المستشارة أنغيلا ميركل التي تعاني شعبيتها بشدة.
بعد مرور تسعة أشهر على دخولها في ائتلاف مع الحزب الديمقراطي الليبرالي الحر، تحول ذلك الائتلاف الذي كان بمثابة الحلم، إلى ما يشبه الكابوس. وعلى العكس مما كانت عليه الحال في الائتلاف مع الحزب الديمقراطي الاشتراكي من قبل، لا يستطيع أي من الحزبين إلقاء اللوم في الاهتزازات التي يتعرض لها الائتلاف، على الحاجة لإسكات أصوات المنتقدين الهامشيين من الحزب الآخر.
وفي النتيجة فإن الحزبين اليمينيين باتا في جدال مستمر. وقد تم تهميش جيدو ويسترويل رئيس الحزب الديمقراطي الحر كوزير للخارجية. ولم تتحسن العلاقات عندما تراجعت ميركل عن خططها لخفض الضرائب، وهو بند كان أساسيا في الحملة الانتخابية لحزبها، وذلك بعد هزيمة قاسية تعرضت لها في ولاية ويستفاليا شمال الراين، أكثر الولايات الألمانية سكانا.
كما يبدو أن ميركل قد فقدت حسها السياسي أيضا. ومع اعتمادها على حفنة من الأصدقاء السياسيين، فوجئت باستقالات لشخصيات مهمة من هؤلاء، أمثال الرئيس هورست كوهلر. وقد تعثرت ميركل في اتخاذ موقف سليم تجاه أزمة الديون اليونانية، وعندما أجبرت ألمانيا على التحرك، كانت الفاتورة التي دفعتها أكبر بكثير.
كما أن خطتها للتقشف، وهي المحاولة التي كانت تريد بها استعادة زمام المبادرة، تعثرت هي الأخرى وسط الجدل والمناقشات. وعلى العكس من رئيس الوزراء البريطاني السابق غوردون براون، بدت ميركل وقد فقدت السيطرة على الأجندة السياسية.
لذلك عندما تم ترشيح يواكيم غوتشيك للرئاسة، وهو سياسي بارز من ألمانيا الشرقية سابقا ويحظى بقبول حزبي واسع، اعتبر الجميع فوزه أمرا مفروغا منه، بينما رأت هي أنه يمثل تحديا لها.
وقد تمكنت ميركل في النهاية من دفع مرشحها كريستسان وولف، للفوز بأغلبية 625 صوتا مقابل 494، ولكن بعد التوصل إلى اتفاق بامتناع الحزب اليساري عن التصويت.
وكان من المفترض أن يتم انتخاب وولف بكل سهولة، حيث يتمتع الائتلاف الحاكم بالأغلبية، لكن الأمر استدعى ثلاث جولات من التصويت واستمر لتسع ساعات، في أطول عملية اقتراع في تاريخ ألمانيا. لم تكن نتيجة التصويت هي انتخاب الرئيس الجديد فحسب، بل كانت أشبه بفوز ميركل في اقتراع بالثقة.
صحيفة «الغارديان» البريطانية