من أجمل العلاقات السامية التي أودعها الله سبحانه وتعالى في أهل الخليج العربي، هي عشق البحر الذي يعني الكثير لهم منذ آلاف السنين، وليس غريباً في هذه العلاقة أن نسمع عن قصص خرجت من أبناء الإمارات، الذين ارتادوا البحر منذ القدم وسخروه لأسفارهم وجعلوه مصدر رزقهم، لذا عندما جاء البرتغاليون إلى الخليج وقاموا برسم الخرائط الجغرافية، أطلقوا على المنطقة اسم «خليج آكلي السمك» لما عرف عن أهلها في هذا السياق.
وابرز إعلام هذه العلاقة، ابن جلفار البحار ومكتشف الإسطرلاب شهاب الدين أحمد بن ماجد، وغيره من أجدادنا الذين أبحروا بين الشرق والغرب وكانت لهم بصمات واضحة، أعطت الدافع للجيل الحالي لكي يعزز هذه العلاقة ويبرز صورة مشرفة في الوقت الحالي الذي يشهد تقدما كبيرا في وسائل المواصلات والتواصل.
والله سبحانه وتعالى حينما يضع الموهبة والسمات الإبداعية في الإنسان والإحساس بما حوله، تزداد عنده الرغبة في محاولة اكتشاف ما يمكنه من الوصول إلى وضع بصمات لها صفة التميز، تعطي المبدع الدافع للمزيد من بذل العطاء في سبيل تحقيق الطموحات ورفعة الوطن.
سلطان محمد بن الشيخ مجرن سليل أسرة إماراتية عريقة الجذور، وهو أحد الذين ورثوا عشق تراب الأرض وماء البحر، فعمل بصمت وجزيل عطاء، ووضع حب الاستكشاف نصب عينيه، وسطر الأهداف القريبة والبعيدة المدى، لكي يحقق حلمه في تكوين فريق عمل وطني لدعم ما توارثه من نبضات هذا العشق القديم المتجدد لهذه الأرض الطيبة.
كانت البداية منذ منتصف الثمانيات، عندما كان لاعب كرة قدم في نادي الشباب، وصولاً إلى رئاسة النادي، ثم رئيساً لاتحاد الإمارات ورئيساً للاتحاد الآسيوي لرفع الأثقال ونائب رئيس الاتحاد العالمي وعضو اللجنة الأولمبية الإماراتية.
وفي بداية التسعينات بدأ رحلة استكشاف أسرار البحار ومتابعة البيئة والتغيرات المناخية، عبر رحلات الغوص في سواحل جزر المالديف وفي البحر الأحمر، وتصوير أعماق البحار، وأصبحت الأفلام التي تم تصويرها مرجعاً ولاقت استحسان الجميع، إلى أن اتضحت الرؤية بعد وضع خطة لبناء يخت مزود بكافة وسائل التكنلوجيا الحديثة.
وتكوين أعضاء الفريق الذي سوف يمخر عباب البحر لاكتشاف وتسجيل لقطات وأفلام وثائقية، لم نكن نراها في السابق إلا من فرق أجنبية كالبحار الفرنسي كوستو، ولكن بعزيمة بن مجرن وأعضاء فريق «مجرينو» سابقاً وسماوي للاستكشاف حالياً، جعلنا نتطلع إلى مشاهدة أفلام علمية بروح إماراتية، تتهاتف عليها وسائل الإعلام الغربية قبل العربية.
وبعد تجهيز اليخت في عام 2002، انطلق الفريق بقيادة المؤسس سلطان بن الشيخ مجرن ومعه طارق الشريف (مصور بري وبحري)، ومجرن سلطان بن الشيخ وغيرهم من أعضاء الفريق، وهم متخصصون في التصوير والملاحة والهندسة الميكانيكية، وعلم البحار والنباتات والأحياء البرية والبحرية والجيولوجيا والغطس والإنقاذ، والعديد من المهام الأخرى.
وكانت البداية الحقيقية بانطلاقتهم في رحلة بحرية إلى بحر العرب، ما لبثت أن تحولت من المحلية إلى العالمية، بفضل ما توصلوا إليه من اكتشاف موقع لتكاثر أسماك الهامور أطلق عليه «شعبية الهامور».
وقد واجه الفريق عدة مصاعب في تغيرات الطقس أو تعطل بعض المحركات، أدت بهم إلى التوقف في جزيرة مصيرة العمانية، وكانت ذات مكسب لهم في تكوين صداقات استمرت إلى الآن، ثم عاود الفريق الرحلة إلى جزيرة سوقطرة التي تعتبر من أجمل الجزر البكر التي حباها الله بطبيعة خلابة.
بدأ الفريق في التعرف على الجزيرة، التي كانت معروفة في السابق لأجدادنا عندما يتوقفون فيها في رحلاتهم، فنشأت علاقة نسب ومصاهرة بين أهل الجزيرة وأهل الإمارات، ويوجد فيها العديد من المواطنين الإماراتيين الذين لم يستطيعوا العودة إلى الإمارات.
وهناك حالات إنسانية استدعت من الفريق تحوير بعض المهام من استكشافية إلى علاجية، وتأمين المعيشة لبعض أهل الجزيرة عن طريق بعض المساعدات.
وخلال عدة سنوات تطورت رحلاتهم إلى استكشاف عالم البحار وتصوير أفلام لمواقع كانت من أجمل ما خلق الله، إلى أن اكتشف بن مجرن الطحلب البلوري الذي حصل على براءة اكتشافه وأصبح من الاكتشافات الفريدة، ورحلة إلى جنوب إفريقيا وتصوير فيلم وثائقي بأيد إماراتية لسمك القرش الأبيض.
وقد حصل الفريق على خبرة واسعة في علوم البحار ورصد تغيرات الطقس، وبرزت هذه الخبرة عندما واجه بن مجرن إعصار جونو، الذي ضرب السواحل العمانية وصولاً إلى سواحل المنطقة الشرقية للإمارات، فقام بتصوير كافة الأحداث بدقة متناهية، تناقلتها أغلبية الوسائل الإعلامية.
وأصبح علي بن مجرن يواجه العالم بهذه الاكتشافات والخبرات، ولفت الانتباه لما يجري في المنطقة، حتى جاءت الفرصة الأخيرة عندما سلط الضوء على الإعصار الذي هب على جزيرة سوقطرة في مايو من هذا العام، واستعد لمواجهة الإعصار المداري «بيت» الذي ضرب السواحل العمانية، ورصد عين الإعصار وتواجد في قلب الحدث خلال هيجانه، والتقط أجمل اللقطات المعبرة عن شدة هذه العاصفة المدمرة، والحالات الإنسانية التي استطاع إنقاذها من وسط الوادي.
يولد من الحلم إبداع ويتحول الإبداع إلى أهداف كانت دوافع لتكوين هذا الفريق الإماراتي للاستكشاف في البر والبحر، الذي أصبح رمزاً من رموز الوطن ونموذجا لإعلاء اسم الإمارات في المجالات العلمية والمحافل الدولية.
كاتبة إماراتية