لم يعد مثل الهجوم الذي شنته طالبان على قاعدة الناتو في جلال أباد أمس مفاجئا، فالحركة باتت تفرض خطتها، لأنها هي من تختار مكان وزمان هجماتها، وما على الحلف الأطلسي سوى الترقب والرد، وهو ما أدى إلى التخبط الذي تعانيه الإدارة الأمريكية وكانت نتيجته إقالة القائد السابق الجنرال ستانلي ماكريستال وإحالته للتقاعد والمجيء بديفيد بترايوس محله.

ومع اعتراف إدارة الرئيس باراك أوباما بأن استراتيجية البيت الأبيض لن تتغير بتغير الأشخاص، إلا أن السؤال هو: ماذا يمكن لبترايوس أن يفعله وسط عدم ليونة طالبان واستمرار مقاومتها؟

هذا السؤال يُطرح لأن كلاما كثيرا قيل غداة تعيين ماكريستال، وكيف أُبرزت قدراته الميدانية وتم تصويره على أنه رجل الحسم، لكن هجوما صغيرا على قرية مرجة الصغيرة لم يحقق أهدافه رغم تضخيمه إعلاميا، وأدى هذا الفشل إلى تأجيل الهجوم الكبير على معقل طالبان في قندهار، ثم ما تسرب عن ماكريستال من انتقاده إدارة أوباما للصراع ليأتي الرد بإقالته سريعا مما يكشف تبادلا واضحا للاتهامات.

والآن وبتقديم بترايوس في القالب ذاته الذي قُدم فيه ماكريستال، يُخشى أن تقع إدارة أوباما في فخ تغيير القادة العسكريين والإكثار من الحملات العسكرية، بينما يبقى الوضع مشتعلا.

المستنقع الأفغاني أثبت أنه لم يتغير، وما عودة طالبان مما يشبه العدم بعد إسقاطها عام 2001، ثم تحولها إلى رقم صعب يستعصي ترويضه، سوى دليل على حتمية فشل الحسم العسكري.

على الإدارة الأمريكية أن تتعلم من تجاربها وأخطائها، فلديها تجربة فيتنام بكل ثقلها، ولديها أخطاؤها في أفغانستان والعراق، إذ ينبغي أن تتعلم من تجربة فيتنام أن الحل لا يأتي من الطائرات والمدافع، كما أن الحلول الترقيعية في أفغانستان والعراق تترك الوضع دائم الهشاشة، ولا يعطي أملا جليا على المدى الطويل.

على الإدارة الأمريكية أن تستمع لجميع الأفغان، ومنهم طالبان التي تنتمي لأكبر جزء من الشعب الأفغاني وهم الباشتون، وعليها أن تدرك أن أفغانستان هي أرضهم، وإذا كانت تؤكد أنها لن تبقى إلى الأبد، فلتكن البداية من اليوم، وذلك بالتحرك العملي نحو تسليم مقاليد البلاد لأهلها، من دون محاباة طرف أو إقصاء طرف آخر.

أما الإصرار على مبدأ إضعاف طالبان قبل الجلوس معها إلى طاولة المفاوضات، فهو أمر يتطلب وقتا لا تستطيع إدارة أوباما التحكم فيه، وبالتالي هو عرضة لتدهور الأوضاع أكثر، وحينها تزداد ملفات أمريكا تشعبا وتعقيدا، ويصبح المجهول أقرب مما يُعتقد.