أثارت المحاضرة التي بثتها قناة الجزيرة قبل مدة للدكتور عبدالله النفيسي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت، والنائب السابق في مجلس الأمة، أثارت سيلاً من النقاشات في الشارع الكويتي، خاصة أنه ردد مقولاته التي طرحها على شاشة الجزيرة، في إحدى ديوانيات الكويت بعد ذلك، إضافة إلى تعليقات هي جزء من المشهد السياسي الكويتي الداخلي، الذي بات يتلون بالصبغة الطائفية والقبلية في أي موضوع يثار.
أما محور حديثه فكان دعوته لدول الخليج العربي: الكويت والبحرين وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، للاندماج مع المملكة العربية السعودية لتصبح هذه الدول جميعاً كياناً سياسياً واحداً. أما مبرر ذلك الاندماج ومقتضياته، فهو دراسة نشرها أحد المعاهد في الولايات المتحدة الأميركية، تتنبأ بأن إيران ستبتلع هذه الدول العربية الخليجية الصغيرة، وبالتالي فلا سبيل لها للدفاع عن أن أنفسها إلا بوحدتها تحت لواء المملكة العربية السعودية.
والحق، أن هذا المقال لم يكتب لمناقشة فكرة الوحدة بين الدول الخليجية العربية، بما فيها سلطنة عمان، فهذه الدول قد عقدت العزم منذ مدة طويلة على التنسيق فيما بينها ككتلة سياسية واحدة، منذ اليوم الأول من إنشاء «مجلس التعاون»، والذي أثبت ـ على تواضع إنجازاته وبطئها ـ أنه التجربة العربية «الوحدوية» الوحيدة التي كتب لها النجاح والاستمرار، والتي لم يذهب مؤسسوها كل في طريقه بعد مدة قصيرة من إنشائها.
كما حصل في تجربة «الجمهورية العربية المتحدة» بين مصر وسوريا قبل أكثر من نصف قرن! بل إن هذا «التجمع الوحدوي» بين دول الخليج العربية، لم يتحول إلى حبر على ورق كبعض التجارب العربية التي لا داعي لذكرها، بل ثمة إنجازات أقلها أن أبناء هذه الدول باتوا يتنقلون ببطاقاتهم وهوياتهم المدنية، دون الحاجة إلى استخدام جوازاتهم، ناهيك عن عدم حاجتهم إلى «الإقامة» وغيرها.
وبالطبع، تتطلع شعوب المنطقة إلى المزيد من الخطوات الوحدوية المدروسة، لكي تأتي نتائجها على المواطن الخليجي العربي بثمار جيدة وتتجنب حسرات الفشل وويلاته.
وإذا كان عامل «الخوف» والرغبة في «الحماية» و«الدفاع عن النفس»، هو المحرك لدعوة النفيسي لتلك الوحدة الاندماجية، فإن ذلك يتناقض مع مقولات ظل يكررها النفيسي طوال عقود ثلاثة، في كتاباته وعبر مقابلاته الكثيرة على قناة الجزيرة منذ أن بدأت تبث عبر الأثير قبل عقدين.
أما تلك المقولات المتناقضة مع ما سبق، فهي أن الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، لها مصالح استراتيجية في المنطقة، تتمثل أساساً في ضمان تدفق النفط وعدم انقطاعه، وأن تواجدها ليس لـ «سواد عيون» أهل الخليج العربي، بل حماية لتلك المصالح! وإذا صح ذلك الكلام، فهل يا ترى ستقف تلك القوات الأميركية لا تحرك ساكناً وجحافل القوات الإيرانية ـ كما تدعي تلك الدراسة ـ تغزو المنطقة؟ أو تصبح «شرطي مرور» تدل القوات الإيرانية على حقول النفط كي لا تتوه في الصحراء وتغرق في رمالها؟!
بيد أن ثمة أمراً أكثر أهمية مما قلناه، لم يلتفت إليه أستاذ العلوم السياسية الدكتور عبدالله النفيسي، وهو أن بقاء الدول ككيانات مستقلة يعتمد فيما يعتمد على موازين القوى العالمية، بغض النظر عن حجم الدول من ناحية المساحة وعدد السكان.
فلو كانت المسألة بتلك البساطة التي عرض لها الدكتور النفيسي عرضاً «شعبوياً» يطرب بعض الأسماع، لابتلعت الدول الكبيرة الصغيرة منذ وقت طويل، ولما بقيت دول مثل سويسرا وبلجيكا وهولندا مستقلة قروناً طويلة وهي محاطة بجيران أقوياء. ولذهبت سنغافورة في طرفة عين، ناهيك عن الدول الإفريقية والأميركية اللاتينية الصغيرة، المحاطة بجيران يكبرونها عدداً وعدة بمئات الأضعاف!
ثم ألا نَعتبر بتلك التجارب التي لم يراع فيها القادة القانون السحري المتمثل بـ «توازن القوى»، الذي هو في علم السياسة في مقام قانون الجاذبية في علم الطبيعة، والذين جاءت قراراتهم الهوجائية وبالاً عليهم وعلى شعوبهم؟ ألم تحتل القوات السوفييتية كامل التراب الشيكسلوفاكي في ليلة واحدة من ليالي العام 1968، وألم تدخل إلى أفغانستان وتبسط قواتها بين جنباته في عدة أيام، فماذا كانت النتيجة، وما الذي آلت إليه الأمور؟! وها هي الولايات المتحدة تتجرع العلقم في أفغانستان والعراق، وستتركهما دون أن تحقق شيئاً!
ثم لماذا نذهب بعيداً في إيراد الشواهد والوقائع التاريخية، على الدرس الأول الذي يجب أن يتعلمه أي سياسي يتربع على سدة الحكم ويجب أن يراعيه! فحري بالدكتور النفيسي أن يعتبر بتجربة بلاده الكويت، حينما غزاها صدام حسين ظناً منه أنها لقمة سائغة، متجاهلاً موازين القوى ومصالح الدول الكبرى في المنطقة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، ليذهب هو ونظامه ويورث الشعب العراقي المسكين أوزاراً ثقيلة ما زال يئن منها.
أما النقطة الجديرة بالتأمل والتساؤل والمحاورة والمناقشة في حديث الدكتور عبدالله النفيسي، فهي هل يتحدد عطاء الدول الحضاري بحجم مساحتها وعدد سكانها؟ يرد هذا التساؤل في ذهني وأنا أشاهد على الشاشة افتتاح مطار ثان في إمارة دبي، سيخصص للشحن الجوي، وسيكون الأكبر في المنطقة، بعد مطارها «التحفة» الذي يستخدمه الملايين سنوياً. والسؤال: ترى، لماذا لم يكن مثل هذا المشروع في بلاد عربية أخرى مترامية الأطراف مساحة، وتفيض بالسكان عدداً؟!
كاتب كويتي
