جاء الفصل الأخير للقصة ظهيرة يوم صيفي حار في وسط واشنطن. نحن في العام 2010، لكن الحرب الباردة ربما لا تكون قد انتهت أبدا. يلتقي عميل سري بمكتب التحقيقات الفيدرالي، يتظاهر بأنه مسؤول في الحكومة الروسية مع موظف في إحدى وكالات السفر المحلية يدعى ميخائيل سيمينكو، على ناصية شارع على مسافة ليست بعيدة من البيت الأبيض، ويتبادلان عبارات مشفرة معدة سابقا: «هل حدث أن التقينا في بكين في 2004؟

نعم، ربما حدث ذلك، لكنني أعتقد أن ذلك كان في هاربين (عاصمة مقاطعة هيلونجيانغ الصينية)». ومع تجنب الرسميات ينخرط الشخصان في عمل جاد يناقشان خلاله مشكلات تتعلق بجهاز اتصالات، قبل أن يسلم العميل السري لسيمينكو صحيفة مطوية بداخلها مغلف يحوي 5000 دولار.

وكان يفترض أن يلقي سيمينكو بهذا الطرد في مكان متفق عليه في حديقة عامة في ضاحية آرلينغتون في اليوم التالي. حمل سيمينكو التعليمات ومضى. وخلال ساعات كان قد تم القبض عليه مع تسعة آخرين في أنحاء شمال شرق الولايات المتحدة، اتهموا جميعا بالاشتراك في شبكة من العملاء السريين الروس شديدي التخفي، تقوم بالتجسس على الولايات المتحدة. وتوقفت العملية.

بعض المتهمين يعيشون في الولايات المتحدة منذ أوائل التسعينات، عندما كانت جثة الاتحاد السوفيتي السابق لا تزال دافئة في تربتها. وتشير أوراق القضية إلى أن مكتب التحقيقات كان يتابعها منذ العام 2004 على الأقل. وقد حصل معظم المشتبه فيهم على هويات أميركية ووظائف، وكونوا عائلات وأصبح لديهم أطفال يحملون الجنسية الأميركية.

لقد أصبحوا بكل تأكيد مواطنين أميركيين، متشربين بكل صفات المواطنة المتمثلة بالحفاظ على الإيمان والأسرة والحياة الكريمة وامتلاك منزل خاص. ومثال على ذلك ريتشارد وسينثيا ميرفي، اللذين تشير إليهما ملفات المحكمة باسم «متآمري نيوجيرسي». فقد عاشا مع ابنتيهما الصغيرتين في بلدة مونكلير الصغيرة، على بعد نحو عشرة أميال من نيويورك في بيت أنيق ذي حديقة مهذبة الأشجار ومتألقة بالأزهار.

هذه هي بعض طرق التحايل التي يتبعها الجاسوس الروسي لممارسة تخفٍّ شديد للغاية، ليصبح واحدا ممن يطلق عليهم «الإلليجلاس» وهو التعبير الذي أطلقه مكتب التحقيقات على الشبكة.

وهذا التعبير هو إشارة للخصائص الفريدة لعملاء عالم التجسس القادرين على التخفي الشديد، الذين أسسوا حياة كاملة في البلدان التي يستهدفونها، حيث يعملون فيها من دون غطاء دبلوماسي. ترك «الإلليجلاس» علامة مؤثرة في تاريخ التجسس. وكان من هؤلاء الجاسوس رودولف آبل، الذي أدار شبكة تجسس روسية في الولايات المتحدة حتى اعتقاله في العام 1957 رغم تظاهره بالعمل كفنان.

وكان هناك بيتر وهيلين كروغر اللذان تظاهرا بالعمل كتاجرين مسالمين في مجال الكتب القديمة، وكانا يعيشان في ضاحية روزليب قرب العاصمة البريطانية لندن، قبل أن يتم كشف نشاطهما في العام 1961، واكتشاف أنهما كانا عضوين في شبكة بورتلاند للتجسس التي استولت على أسرار مهمة خاصة بالبحرية البريطانية. وعلى مر السنين تغيرت تقنيات صناعة التجسس.

في ذلك الوقت كان الميكروفيلم والحبر السري، هما أهم أدوات التجسس. وقد استبدل الحبر السري وتصاريح المرور المزورة في القرن الحادي والعشرين، بما يسمى «الأشياء غير القانونية»، التي لا يمكن اعتبارها من أنشطة التجسس بشكل مباشر، مثل اختراق ملفات سرية خاصة من خلال الانترنت، وإرسال المعلومات من خلال موجات الراديو.

كما أن جواسيس الشبكة المكتشفة حديثا، كانوا يستخدمون تقنيات عالية الدقة في مجال الاتصالات بين أجهزة كمبيوتر محمولة متصلة بشبكات خاصة، بالإضافة إلى تقنية تسمى «ستيجنوغرافي» يتم بواسطتها تخزين معلومات سرية، تبدو لأي شخص عادي على أنها صورة تزين خلفية شاشة كمبيوتر.

وتقول واشنطن إن هؤلاء العملاء الذين لم توجه لهم تهمة التجسس، وإنما تهم أقل خطورة، لم يحصلوا على أي معلومات حساسة. والمثير هو أن هناك شكوكا بأن يكون من تم ضبطهم حتى الآن، لا يمثلون سوى قمة جبل الجليد لشبكة تضم ما بين 40 إلى 50 زوجا من الجواسيس في الولايات المتحدة.