شكلت المواقف الأميركية المنحازة إلى إسرائيل على مدى عقود، صمام الأمان لاستمرار التفوق الإسرائيلي العسكري. وفي زمن ما يعرف بالسلام، لم يختلف الأمر كثيرا، إذ واصلت واشنطن دعمها الكامل لتل أبيب، ولم تقدم في المقابل للعرب إلا الوعود تلو الوعود بحل القضية الفلسطينية، ولكن على أساس ضمان أمن إسرائيل المطلق.

ومنذ اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 وحتى اليوم، لم يختلف الوضع كثيرا، فلم تر الدولة الفلسطينية النور حتى الآن، ولا يبدو أن هناك ضوءاً في آخر النفق، رغم الرهان العربي على الإدارات الأميركية المتعاقبة، وآخرها إدارة أوباما التي تبدو عاجزة عن فعل أي شيء جدي لإجبار إسرائيل على احترام الشريك الفلسطيني المتلهف للجلوس إلى طاولة المفاوضات المتعثرة.

فمع دخول أوباما البيت الأبيض، استبشر بعض العرب خيرا، خاصة أن الرجل أبدى استعداداً لحلحلة الوضع المتجمد منذ عهد بوش صانع الحروب والصديق الأوفى لإسرائيل، وسارع أوباما إلى جامعة القاهرة لتهدئة الخواطر والنفوس العربية والإسلامية التي نالها الكثير من الجور على يد سلفه، سواء في أفغانستان أو العراق، واعتقد البعض أن أوباما يملك عصا سحرية يمكن أن تحل مشكلات بدأت قبل أكثر من نصف قرن.

وما إن مضى أوباما في فتح ملفات قديمة، حتى ظهر عجزه وقلة حيلته أمام ميراث من العلاقات العضوية بين إسرائيل وواشنطن، فإذا بعث الرجل بموفده إلى المنطقة كان الاستيطان في انتظاره، وإذا سعت واشنطن إلى مفاوضات غير مباشرة كان تهويد القدس بمثابة الديناميت الذي ينسف كل الجهود التي يحاول أوباما إظهارها، حتى إن الرجل عبّر في محطات عدة عن يأسه وإحباطه من الوصول إلى شيء ملموس يمكن أن تقدمه إدارته لحلحلة المأزق الذي يواجهه ملف التسوية الفلسطينية الإسرائيلية.

هذا الوضع دفع البعض إلى النبش في طبيعة العلاقات الأميركية الإسرائيلية مجددا، وطرح تساؤلات من قبيل: هل باتت إسرائيل عبئاً على أميركا؟ أو إسرائيل وأميركا من يحكم الآخر؟ وهل ثمة منفذ حقيقي لتغيير العلاقة التبادلية في المصالح بين واشنطن وتل أبيب؟

وزاد من مثل هذه التساؤلات، في الفترة الأخيرة، العدوان الإسرائيلي على قافلة الحرية التي كانت متوجهة إلى غزة.. الموقف بلا شك أحرج الإدارة الأميركية، خاصة وأن القافلة أعادت إلى الاهتمام قضية الحصار الظالم على قطاع غزة، الذي رأى قادة الدول الصناعية الكبرى في اجتماعهم الأخير في كندا، أنه لا يمكن استمراره، ويجب تغييره، في رسالة مزدوجة إلى إسرائيل والولايات المتحدة معا.. إسرائيل التي حاولت ذر الرماد في العيون والالتفاف على الضغوط الدولية بإعلان أجوف عن تخفيف الحصار، وأميركا التي لا تسعى بشكل جدي إلى الضغط على حليفتها لتقديم ما يحفظ ماء الوجه الذي أراقته دماء الأبرياء على سفن أسطول الحرية.

وهنا بدأت تسريبات وتلميحات، وحتى تصريحات ربما تكون مصطنعة، عن توتر «عميق» وتصدع في جدار العلاقات الأميركية الإسرائيلية.. وها هي صحيفة الغارديان البريطانية تنقل عن السفير الإسرائيلي في واشنطن مايكل اورين، قوله إن «علاقات بلاده مع الحليف الأكبر، الولايات المتحدة، تمر بمرحلة أبعد وأعقد من الأزمة التي يمكن أن تحل يوماً ما»، مؤكداً أن تلك العلاقات أصيبت «بشرخ زلزالي عميق» يصعب تجاوزه.

تصريحات السفير الإسرائيلي تبدو متشائمة حول المستقبل، وربما يكون قول الغارديان عما أثارته تلك التصريحات، من هلع وقلق داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية، مبالغاً فيه، فقد مرت العلاقات الأميركية الإسرائيلية بأزمات أشد وأكبر، لكنها كانت دائما تعود أكثر رسوخا وقوة.

أما الحديث عن غضب أوباما من نتانياهو، أو إحراج تل أبيب لواشنطن، فهو ملح العلاقات بين حليفين، يعتمد كل منهما على الآخر في تنفيذ سياساته وتحقيق مصالحه. والعيب يتحمله الذين لا يدركون مصالحهم بنفس القدر الأميركي والإسرائيلي.

tnh57@hotmali.com