عقدة القصور السياسي في حل مشكلاتنا العربية أخذت بُعدها الأساسي مع نكبة فلسطين، ولكنها تسرطنت مع فوضى الانقلابات ، ولاشرعية حكومات العسكر التي أممت الأموال والصحف ، وجيّرت الإعلام ليكون صوتاً فوضوياً يدين من يشاء، ويرفع آخر إلى منازل العظماء حتى إن ابتكار مسميات عسكرية جديدة تضفى على الزعيم الملهم ، والعظيم ، والمنتخب من القواعد الشعبية غير الامبريالية ب٩٩,٩٩٪ وضعتنا على مفترق طرق، أي أننا لم نستطع تحرير أرضنا، ولا تحرير أنفسنا من عقدة النقص أو نفخ الذات بدون قواعد تضعنا على نفس الدرجة مع الشعوب التي نفضت عنها غبارها واستعادت شخصيتها وهيبتها..
الظاهرة تكررت بعد انحسار الحروب لتقيم عوازل كبيرة بين دولة عربية وأخرى، واستطاعت الدول المحيطة بنا أن تضعنا على قائمة غنائمها، وحتى الدور العالمي انحسر عن قضايانا وصار يتعامل معنا بدون اكتراث، بل هناك من صنفنا بأننا أمة تموت كل يوم..
الصوت الواقعي والمعتدل، والذي لا يذهب بجهوده ورؤاه إلى بناء علاقات تهتز لأي سبب ، أو تقوم على اشتراطات تقيده، هو الذي منح الملك عبدالله صورة الزعيم الذي يتطابق قوله مع فعله..
فقد نشر ثقافة التسامح وذهب إلى الفاتيكان ليجدد حوار الأديان والثقافات وتمازج الحضارات، وحتى في حمى الخلافات العربية في قمة الكويت لم يشهر سيفه على قاعدة الأخذ بالثأر السياسي، بل إنه بعقلية الحكيم والكبير، وقف يصالح من اختلفوا معه ويجتمع إليهم أو يزورهم رافضاً أي آثار لتطوير الخلاف بل تطويقه، وحدث هذا مع أنظمة عالمية قد لانتطابق معها بالفكر والمعتقدات، ولكنه اعتبر الحوار هو الطريق السوي لفتح النوافذ المغلقة..
مع أمريكا اختلفنا كثيراً، وحتى أحداث سبتمبر التي كادت تعصف بكل شيء أدرك الأمريكان أن ما حدث لاحقاً من استهداف المملكة من قبل الإرهابيين جاء كتبرئة لنا ، وأن القاعدة، وإن نفذت جريمتها بمخدوعين من مواطنينا، فهي لا تخفي نواياها بالقتل وإشعال الحرائق بالنفط، وضرب مواسم الحج أو أي عمل نقوم به لصالحنا الخاص، أو ما يخدم عالمنا كله، وهنا جاء الوجه الحقيقي للصورة والتي جسدت التفاهم ثم إعلان الحرب على هذه العناصر وتجفيف منابع داعميها وتنظيماتهم وخططهم القاتلة..
الرئيس أوباما تجمعه إلى الملك عبدالله الدبلوماسية المرنة، وهذا الأمر يحتاج إلى أفق بعيد والزعيمان وضعاه على قائمة اهتماماتهما، لأن الأمور المتسارعة الخطى لا تحل بالمغامرات أو الاندفاع الأعمى إذا كانت الوسائل الدبلوماسية المتاحة تصل إلى الحلول الصعبة، ولعل إدراكهما أن تعقيدات المنطقة كبيرة وحادة، فإن تركها فقط تعالج نفسها أمر لا يمكن أن يحقق السلم أو تكافؤ المصالح، والمعنى هنا يتصل بالحروب وانتشار الأسلحة وردود الأفعال حولها، وأمريكا باعتبارها المؤثر الأكبر على الساحة كلها سواء في القضية الفلسطينية أو غيرها.
وطالما المملكة لها رؤيتها الخاصة التي قد لا تتطابق مع أمريكا، إلا أن السلام ضرورة حين يفك العلاقات المتوترة، ودور البلدين إطفاء الحرائق القائمة، لكن أمريكا يقع عليها العبء الأكبر بحكم وزنها وعلاقاتها ومصالحها المتشابكة مع كل دول المنطقة..
