في قصة إقالة الجنرال ستانلي ماكريستال قائد القوات الأميركية في أفغانستان، الكثير من المفاجآت التي تعيد إلى الأذهان من جديد، المفارقات المدهشة التي ينطوي عليها ملف أفغانستان في أميركا.
فقد أطاح أوباما بالجنرال ماكريستال، بعد أن نشرت مجلة «رولنغ ستون» الأميركية موضوعا جاءت فيه على لسان ماكريستال ومساعديه انتقادات حادة، بل وبذيئة أحيانا، لأغلب المسؤولين عن ملف أفغانستان في الإدارة، طالت حتى الرئيس شخصيا. فعلى سبيل المثال، وصف مساعدو ماكريستال، مستشار الأمن القومى جيم جونز بأنه «مهرج».
بينما تم الحط من شأن جو بايدن نائب الرئيس، واعتبار ريتشارد هولبروك مبعوث الرئيس الخاص لأفغانستان «حيوانا جريحا» لا يسعى إلا للحفاظ على منصبه. أما أوباما شخصيا فقد وصف بأنه في اجتماعه بالعسكر، بدت عليه علامات عدم الارتياح والرهبة من كل أولئك العسكر الذين أحاطوا به!
أول ما يدهش المرء في القصة برمتها، هو المجلة التي نشر فيها الموضوع. فمن يقرأ ماجاء فيها يكتشف أن أغلب التعليقات التي سخر فيها ماكريستال ورجاله من رموز الإدارة، جاءت إما على مائدة عشاء أو في بار أو في أثناء رحلة لفرنسا رافقهم فيها الصحفي، الأمر الذي يعني أن الصحفي اقترب كثيرا من ماكريستال ورجاله. المدهش هنا هو أن العسكر الأميركيين منذ الستينات على الأقل، ينتمون في أغلبهم لليمين.
صحيح أنه يقال إن ماكريستال أعطى صوته لأوباما، إلا أنه خدم أيضا مع بوش، وهو على أيه حال لا يمكن أن يحسب على اليسار، ولا حتى التيار الليبرالي في أميركا. لذلك، أفهم أن يسمح الجنرال ماكريستال لصحفي من النيويورك تايمز أو مجلة نيويوركر أن يقترب لهذه الدرجة منه.
لكن ما الذي يجعله يفتح أبوابه بكل هذه الأريحية، لصحفي في مجلة ذات جذور يسارية، بل كانت تعبر في الستينات عن التيار الراديكالي الذي عرف بالثقافة البديلة، ومعروفة من وقتها بقربها من التيار الذي بالغ في انتقاد العسكر في فيتنام وبعدها؟!
وبينما يمكن لهذا السؤال أن تكون إجابته ببساطة، أن هناك ودا شخصيا أو اقترابا إنسانيا جمع ذلك الصحفي تحديدا ودائرة ماكريستال الصغيرة، فإن السؤال الذي يدهشك بدرجة أكبر، هو ذلك المرتبط بعلاقة أوباما نفسه بماكريستال!
فأوباما الذي جاء للحكم منتقدا انحرافات بوش، ومتعهدا بإغلاق ملف التعذيب واعتماد الشفافية في التعامل مع الرأي العام، لم يجد غضاضة في أن يختار ماكريستال صاحب التاريخ الأسود في كليهما، ليوليه واحدة من أهم المهام التي تحدد مستقبله كرئيس، أي أفغانستان!
فماكريستال كان مسؤولا لفترة طويلة عما يعرف بالعمليات الخاصة، وهي الوحدات المسؤولة عن العمليات القذرة التي تتم في جنح الظلام ويروح ضحيتها أبرياء، دون أن يعلم عنها أحد شيئا. وهو بالمناسبة صاحب تاريخ معروف في هذا الصدد في أميركا اللاتينية، مرتبط بما يعرف بفرق الموت التي راح ضحيتها مئات الآلاف من المدنيين.
لكن، لماذا نذهب بعيدا في التاريخ الأميركي، ففي عهد بوش كان ماكريستال ضالعا في أكثر من فضيحة؛ فهو كان المسؤول عن معسكر ناما في العراق الذي تفجرت بشأنه فضيحة تتعلق بتعذيب المعتقلين، وهو أيضا كان ضالعا في الكذب على الرأي العام في قصة مقتل بات تيلمان الشهير في أفغانستان التي شغلت الرأي العام الأميركي، فقد كان هو الذي وقع القرار الذي يزعم زورا أن الرجل قتل بيد الأفغان، بينما الثابت أنه قتل بأيدي القوات الأميركية.
السؤال المدهش هو؛ ما الذي يدعو أوباما لاختياره؟! بل الأكثر من ذلك، ما الذي يدعوه للصبر عليه طوال تلك المدة بعد أن حاول لي ذراعه وبعد أن فشل في المهمة التي أوكلت له؟ فبمجرد أن تسلم ماكريستال عمله في أفغانستان العام الماضي، قام بإعداد تقرير لرفعه للرئيس يطالب بقوة بانتهاج استراتيجية «ملاحقة التمرد»، التي تتطلب زيادة هائلة في القوات.
لكن، لأن ماكريستال كان يعلم أن في الإدارة رموزا ترفض تلك الاستراتيجية وتحذر من فشلها كما فشلت في فيتنام، فقد تم تسريب التقرير للصحافة، وفيه يقول ماكريستال إنه ما لم تتم الاستجابة لطلبه فإن أميركا معرضة للفشل في أفغانستان، وهو ما يمثل ضغطا صريحا على أوباما، يحرجه أمام الرأي العام ويدفعه دفعا للرضوخ للعسكر.
لكن ماكريستال الذي لم يترك أحدا في فريق أوباما المسؤول عن أفغانستان إلا وسخر منه، فشل في مهمته رغم رضوخ الرئيس لمطالبه، حيث أعطاه تقريبا جل ما أراد. فمشروع السيطرة على مدينة مارجا الذي بدأ في فبراير الماضي، قد تحول إلى كارثة باعتراف ماكريستال نفسه، الذي كان قد وصف العملية منذ أسابيع بأنها صارت «قرحة تنزف». أما مشروع السيطرة على مدينة قندهار، فقد تم تأجيل البدء فيه أكثر من مرة، لأن الواقع على الأرض ليس مواتيا.
لكن المفاجأة الأكثر إثارة للدهشة على الإطلاق، هي تلك المتعلقة برد فعل أوباما إزاء كل ذلك. فهو حين أقال ماكريستال، إذا به يأتي ببترايوس ليحل محله. وبترايوس هو أستاذ ماكريستال ورائد المدرسة نفسها المولعة باستراتيجية ملاحقة التمرد.
السؤال مدهش فعلا. ما الذي يجعل رئيسا يعرف تماما أن أفغانستان ستكون على رأس القضايا التي سيثيرها خصومه ضده في انتخابات 2012، يقيل الجنرال ماكريستال كرد فعل لبذاءاته لا لفشله؟ وما الذي يجعله، بعد أن أعلن تاريخا للانسحاب سيحل موعده قبل عام فقط من معركة إعادة انتخابه، يصر على الاستمرار في سياسة فاشلة، بل يعارضها الكثيرون في فريقه بمن في ذلك نائبه شخصيا؟!
كاتبة مصرية
