يروى أن أميركياً أراد التفاخر بديمقراطيته على عربي، فقال له: في بلادي أنعم بالحرية، وأستطيع أن أشتم الرئيس في الشارع، فرد عليه العربي: وفي بلادي أنعم بنفس مستوى الحرية، ويمكنني أن أشتم الرئيس الأميركي في أي مكان.
نبدأ حديثنا اليوم بهذه النكتة، حتى لا نثقل على القارئ وعلى أنفسنا، ولعله من نافلة القول أن ننقل ما يذهب عليه علماء الاجتماع والنفس، حول الدور الذي تمارسه النكتة في المجتمعات، فعالم النفس الأشهر فرويد يقول بأن النكتة وسيلة دفاعية لا شعورية، يعتمد عليها الإنسان للتنفيس عن الغضب المكبوت في صدره، وهو رأي يوافقه عليه معظم العلماء المعنيين بالأمر، ومنهم من يؤكد أن النكتة دليل حيوية وقدرة المجتمع على التفكير والنقد.
وترجع دراسات تاريخية بدايات ظهور النكات السياسية والاجتماعية، إلى عصور الفراعنة، مستندين إلى بعض البرديات التي حملت سخرية مريرة من بعض الأوضاع، فيما يقول آخرون انها تعود إلى حرب طروادة، عندما أسس بلاديموس بطل هذه الحرب، نادياً لإلقاء النكات عن العدو.
ومن ثم التحقير من شأنه، وفي تراثنا الأدبي العربي، كثيراً ما كان يختلط شعر الهجاء بسخرية أقرب إلى سخرية النكتة، ولعل هجاء المتنبي لكافور الإخشيدي، وهجائيات ابن الرومي والحطيئة الذي هجا نفسه، من شدة شغفه بالسخرية من كل شيء، تكشف أن روح النكتة السياسية، مستقرة في النفس العربية منذ قديم الزمان، كما ظهرت النكتة في الكتابات النثرية، فهناك «أخبار الحمقى والمغفلين» لأبي الجوزي، و«البخلاء» للجاحظ.
وفي العصر الحديث، وتحديداً إبان فترة الاحتلال البريطاني لمصر، كان هناك مقهى في منطقة باب الخلق بالقاهرة، يسمى بالمضحكخانة، أي بيت الضحك، وكان الظرفاء من كافة محافظات مصر يفدون إليه لإلقاء النكات التي تستهزئ بالإنجليز.
ويبدو أن شغف المصريين وقدرتهم البالغة على إلقاء النكات، قد شغلت حكامهم إلى الدرجة التي دفعت الرئيس عبد الناصر، في مرحلة ما بعد هزيمة 67 إلى تأسيس وحدة مخابرات تهتم فقط، برصد المزاج الشعبي للشارع عبر تحليل النكات السياسية، وهو الأمر الذي شغل بعده سلفه السادات، الذي يروي في مذكراته الشخصية «البحث عن الذات» مدى اهتمامه بسماع النكات التي كانت تنتشر في الشارع المصري قبيل حرب 73.
أما في أيامنا الراهنة، فمع انتشار البلاك بيري، لم تعد هناك حاجة لتأسيس مثل هذه المقاهي، وأصبحت النكتة تنتشر في غضون ثوان، وهو ما يحدث مع أي حدث يراه الناس مهما ويستحق الوقوف عنده، إلا ان الواضح والمؤكد أن النكتة السياسية والاجتماعية التي تنتقد أوضاعاً لا يوافق عليها قطاع كبير من الناس، قد بدأت تدخل الإمارات من بوابة البلاك بيري...
والمؤكد أيضا أن مبالغة البعض في رفضها، لن تؤدي إلى القضاء عليها وإنما إلى إذكاء جذوتها كونها فعلاً طبيعياً تلقائياً، ليس منظماً ولا يخضع للضوابط، مما يدفعنا إلى القول بأنه من الأحرى والأجدر أن نبدي تجاهها قدراً من التسامح والقبول.
