كشفت تطورات الأسابيع القليلة الماضية، وتحديدا ما ارتبط منها بمحاولات فك الحصار عن غزة، مجموعة من الحقائق التي يجب أخذها بعين الاعتبار، والتعامل معها بجدية وحرص.

تلك الحقائق كانت موجودة أصلا في قاموس قناعاتنا، لكن بعض العالم، وربما بعضنا «المعتدل» أيضا، كان يصر على اعتبارها قراءة غير موضوعية، ويدعو إلى تجنب ملامستها، خوفا من أن تؤثر على المفاهيم السلمية العامة، التي يحاول تكريسها في الأداء السياسي والدبلوماسي المستجد.

جوهر ما هو مقصود في هذا الكلام، مرتبط بالتأثير والنفوذ اللذين تتمتع بهما إسرائيل في أكثر من مكان حول العالم، بالإضافة للطرق التي تعتمدها عندما يتعلّق الأمر بأزمة دقيقة، مثل تلك التي حدثت في البحر المتوسط مؤخرا، وأدّت حتى الآن لتحقيق مجموعة من المكاسب المعنوية الهامة للطرف الفلسطيني.

ورغم أن المكسب المعنوي، حسب رأي البعض، لا يسمن ولا يغني من جوع في ظل المعاناة الحقيقية التي يعيشها أبناء غزة، إلا أنه يبقى، حسب رأيي، ضروريا جدا وجزءا هاما من فسيفساء الصراع القائم على الساحة الدولية الشاملة.

في سياق ما أحاول الإشارة إليه، برز خلال الفترة الماضية بعض الانعكاسات الإعلامية، التي كشفت بوضوح أمرين أساسيين على المستوى الدولي: نشاط إسرائيلي دبلوماسي وإعلامي واجتماعي نشيط، يهدف لتبرير سبب الصورة القاتمة التي ظهرت فيها إسرائيل مؤخرا.

يقابله نشاط عربي دبلوماسي رتيب، لم يخرج عن الأداء الروتيني المعتاد، لكن رافقه هذه المرة نشاط شعبي عارم استطاع أن يواجه الحملة الإسرائيلية بأسلوب الند للند، رغم افتقاره لكثير من الدعم المتوفر عادة للوبي الإسرائيلي في دول الشتات كافة.

ولكي لا نضيع في متاهات الأحداث وتفرعاتها، سأشير في هذا المقال إلى حدثين فقط يعكسان، حسب رأيي، الطريقة التي لا تزال إسرائيل تتبناها في مواجهة أزماتها المختلفة.

وهي في الواقع باتت طريقة مفضوحة أمام الرأي العام العالمي، لكنها تبقى فعّالة في ظل تردّي العمل الدبلوماسي العربي، والذي لا يزال غير قادر على استغلال نقاط الضعف القائمة في الساحة الإسرائيلية، بالشكل المطلوب:

الجميع بات اليوم يعرف ما جرى لعميدة الصحفيين في البيت الأبيض هيلين طوماس، والتي تجرأت على تسمية الأمور بمسمّياتها، حول ما يتعلق بتأثير اللوبي الصهيوني في الكونغرس الأميركي.

وتاليا انعدام «الصوت الفلسطيني» في هذه المؤسسة، أو بطبيعة هجرة اليهود من أوروبا وأميركا وغيرها إلى إسرائيل، دون أن يكون هناك في المقابل أي تقدم على صعيد تأمين الحقوق للفلسطينيين.

ورغم أنه لا يمكننا، بأي حال من الأحوال، اعتبار السيدة هيلين معادية لإسرائيل أو موالية لأي طرف آخر، إلا أن هذه التصريحات الجريئة أصابت قلب الهدف، وأحرجت الماكينة الدعائية الإسرائيلية. لكنها من جهة أخرى وضعت كثيرا من العرب أمام مسؤولياتهم، في ما يخص طريقة استيعاب طبيعة الصراع القائم وطرق التعامل معه.

الحدث الثاني الذي أود الإشارة إليه، هو ذلك الذي جرى مؤخرا في تشيكيا بعد حادثة القرصنة في مياه البحر المتوسط. فقد احتجت إدارة قسم الأخبار في التلفزيون التشيكي.

على الطريقة السيئة والفاضحة التي تعاملت بها القوى الأمنية الإسرائيلية مع صحفييها الذين كانوا على متن إحدى السفن، وطالبت وزارة الخارجية التشيكية بالاحتجاج رسميا ضد هذا التصرف، حفاظا على كرامة هؤلاء الصحفيين.

طبعا، هذه الوزارة لم تحتج ولم تحرّك ساكنا حيال ما جرى، باستثناء إطلاق بعض التصريحات القلقة التي تشير إلى التزامها بالموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي، باعتبار أن تشيكيا عضو في هذا الاتحاد.

أما التحرك الخفي والعلني للّوبي الإسرائيلي في الوزارة، فكان واضحا وجليا في أروقتها وبعض قنواتها منذ اللحظات الأولى. أضف على ذلك أن السيد توماش بويار السفير التشيكي الحالي في تل أبيب (كان يشغل سابقا منصب نائب وزير الخارجية)، يعتبر من أبرز أركان اللوبي الإسرائيلي المؤثر في براغ.

في الواقع، أن ما أثار الاستغراب هو بعض التصريحات التي أدلى بها السفير المذكور لوسائل الإعلام المحلية، وكان ينقل خلالها وجهة النظر الإسرائيلية، بدلا من أن يفسر الموقف الرسمي لبلاده.

وهذا في الحد الأدنى، حسب رأي بعض السياسيين التشيك السابقين الذين التقيت بهم مؤخرا، مدعاة للسخرية والاستغراب، لأن جميع السفراء التشيك الذين اعتُمدوا في إسرائيل منذ إعادة العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين، كانوا من فئة انتمائية واحدة، محسوبة بنسبة مئة في المئة لصالح اللوبي الإسرائيلي، وكانوا يتصرفون بنفس الطريقة.

ولا شك أن اختيار السفراء هو شأن سيادي للدولة المعنية، مثلما هو كذلك لكل الدول في العالم. لكن يحق لنا أن نتساءل، كرأي عام على الأقل، عن المعايير التي تتبعها كل تلك الدول عند اختيارها لسفرائها في مناطق التوتر العالمية، خصوصا عندما تتقدم مسألة الانتماء إلى هذا اللوبي أو ذاك، على قضية الولاء للوطن، والتي يجب أن تكون أصلا معيارا أساسيا ماثلا.

ما يجب أن نفهمه من هذين الحدثين، هو أن إسرائيل تمتلك رصيدا هائلا من الأصدقاء القادرين على رفد جهودها عندما تكون هناك حاجة لذلك، وهؤلاء قادرون كذلك على التأثير في الرأي العام لدولهم، وغيرها، بطرق مختلفة.

وذلك يدعونا إلى خلاصة، مفادها أنه لا يمكن للعرب أن يتكافؤوا في أي صراع مع إسرائيل، إلا إذا تماثلوا معها في عدد الأصدقاء الفعليين المكتَسبين.وهذا يبقى أضعف الإيمان، في زمن لا يزال فيه كثير من الدول العربية، غير قادرة حتى على اكتساب احترام وصداقة شعوبها.

كاتب لبناني

ezzedine@volny.cz