واجهت الحكومة السودانية الجديدة منذ البداية عددا من التوترات أو المواجهات، ويعود ذلك إلى صعوبات وحساسيات المرحلة التي سوف تمر بها خلال الشهور القليلة المقبلة، وهي فترة تتطلب من السودان أن يتناول اموره وشؤونه بكثير من الحصافة وحسن التقدير. فالسودان، هذه الايام ليس في حاجة إلى خصوم أو عاتبين.

ولكن في نفس الوقت، قد تتسبب مثل هذه الاجواء في اخطاء مقصودة أوغير مقصودة. وهذا ما حدث بالفعل خلال الاسبوع الفائت، إذ وجد السودان نفسه في مواقف دبلوماسية ليست مريحة، مع مصر ولبنان وليبيا، لأسباب متنوعة.

وكان تعيين وزير الخارجية قد شهد تنافسا واضحا رشحت انباؤه إلى خارج الغرف المغلقة، ووقع الاختيار على علي كرتي الذي يعتبره الكثيرون من صقور الاسلاميين وهذه حقبة تحتاج لكثير من المرونة، لكن آخرين رأوا العكس، قائلين ان الفترة القادمة تحتاج لقدر من الصرامة والحسم، وليس الدبلوماسية الناعمة.

استهل علي كرتي عهده بهجوم كاسح على مصر، في لقاء جماهيري أو غير رسمي، وكأنه أراد أن يختار الموضوع الذي يثير غضب المصريين حقيقة، وهو القول بضعف الدور المصري. فقد أكد في حديثه أن مصر ليس لها دور مؤثر، رغم وجود كثير من القضايا المهمة في السودان مثل الاستفتاء ودارفور وأبيي.

وحين سارع المصريون بالاحتجاج، أضاف إلى تصريحاته أن المصريين تعوزهم المعلومات عن السودان. وفي هذه المرة، اختار المصريون طريقة جديدة في المعالجة الدبلوماسية لم يمارسوها من قبل، فقد حضر وفد مصري لم يعلن عنه، ودخل مباشرة في مشاورات سرية مغلقة استمرت لمدة أسبوع، ثم غادر يوم 25 إلى جوبا ليواصل عمله مع حكومة جنوب السودان.

وأرجع البعض هذا الاسلوب إلى أن مصر تتجنب التصعيد مع السودان هذه الايام، خاصة وأن اجتماعات لجان مياه النيل سوف تستأنف خلال هذا الاسبوع. ومن ناحية أخرى، من المتوقع أن يجتمع الشريكان، المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، في الجولة الثانية في القاهرة خلال أيام.

ولذلك، كان لا بد أن تبدي مصر قدرا كبيرا من الحلم وضبط النفس، وأن تمرر تصريحات وزير الخارجية السوداني.

سبق هذا الحدث احتجاج السودان على استقبال مصر الرسمية لخليل ابراهيم، زعيم حركة العدل والمساواة الدارفورية. وطلب السودان إبعاده ورفضت مصر الطلب، وغادر إلى تشاد التي رفضت دخوله إلى البلاد فغادر إلى ليبيا.

ويشك السودان في أن مصر تحرض الفصائل الدارفورية على مقاطعة منبر الدوحة، وقد تزايدت الشكوك بعد أن دخلت ليبيا على الخط، إذ مع وجود إبرهيم في طرابلس، بدأ طرحها كبديل.

وطلب السودان من ليبيا «أن يكون وجود خليل فيها عابرا وليس دائما»، وهذه صيغة غير مباشرة تطلب طرده من الجماهيرية. ولكن أحد المسؤولين الليبيين أكد أن الضيوف محترمون عادة في الجماهيرية.

ومع وجود إبراهيم في طرابلس، لا بد أن نضع في الاعتبار أن ليبيا لن تقف متفرجة على المفاوضات والوساطات، وسوف تبحث لها عن دور يعيد لها اهتمامها بالشؤون الإفريقية، بعد تلقي الكثير من الخيبات في إفريقيا التي ما زالت طرابلس ترى فيها المكان المناسب لكي تلعب دورا قياديا، وقد تكون دارفور مدخلا لهذه العودة.

وقد توترت العلاقات بين السودان ولبنان لدرجة بعيدة، وإن كان النظام لم يكن له دور مباشر، بل حاولت وزارة الخارجية تهدئة الأوضاع، مما أثار غضب الكثيرين واتهموا الحكومة بعدم حماية مواطنيها. فقد هاجمت قوات الأمن اللبناني حفلا خيريا كان يقيمه بعض السودانيين، وأوسعتهم ضربا وسباًّ عنصريا، حسب الشكوى.

فقد اشتكى السودانيون بأن بعض أفراد القوات المهاجمة وصفوهم ب«العبيد»، وأنهم جاؤوا للإساءة لهذا البلد المحترم. وكان أول من أثار الموضوع موقع الكتروني (سودانيسونلاين) كتب التفاصيل الدقيقة، ثم نشرت الصحف السودانية الأحداث على صفحاتها الاولى، وسرعان ما تحول الأمر إلى احتجاج شعبي.

وقاد نفس الموقع الدعوة إلى التظاهر أمام سفارة لبنان في الخرطوم، وأعلن السفير اللبناني أنه سوف يعتذر رسميا، ثم تراجع عن ذلك قائلا إنه ينتظر نتائج التحقيق، ولكنه بذل جهدا لتخفيف الأزمة.

وتناول بعض الصحف هذا الموضوع من ناحية علاقة السودانيين بالعرب عموما. فقد كتب البعض أن العرب ينظرون إلى السودانيين باستعلاء عرقي، وأن السودانيين الشماليين بالذات يقبلون هذا الوضع الدوني.

وهنا تتشابك المسألة بالنزاع الشمالي ـ الجنوبي، فهذه مقولة يرددها الجنوبيون حين يتهمون الشماليين بأن هويتهم غير محددة، وهم يتمسحون بالعرب بينما العرب يحتقرونهم.

وهذا سجال طويل ومرير أثارته الأحداث في لبنان، ويعود قبل شهور من الاستفتاء حول تقرير مصير الجنوب، حيث تحتل قضية الهوية الثقافية موقعا متقدما في النزاع. وقد يجد الشماليون أنفسهم في حالة شماتة من قبل الجنوبيين. ولا بد من الإقرار بأن العنصرية موجودة في كل المجتمعات بدرجة أو أخرى، كما بصور متباينة، ولكن الخطورة في تطبيعها واعتبارها ظاهرة غير شاذة. هي حقيقة عامة، ولكنها من الحقائق المرتبطة بمرض الروح.

وبرزت معركة جانبية بين الذين أثاروا القضية، وبين الحكومة ممثلة في سفير السودان في لبنان. فقد أشار بعض المشاركين في الموقع، إلى أن الحكومة السودانية لم تتفاعل مع حادثة الاوزاعي بالطريقة الواجبة.

ومن ناحيته، أدلى السفير السوداني في بيروت إدريس سليمان، بتصريحات فسرها البعض بأنها تحمل إدانة أكثر للسودانيين.

وبعد أن أكد أنهم طالبوا بفتح تحقيق ومعاقبة المتورطين، أضاف: «قمنا بترحيل 224 سودانيا من السجون اللبنانية قبل شهرين، ولكنها امتلأت مرة أخرى»!

ثم يقول: «العصابات التي تعمل في تجارة البشر، تستغل المتسللين السودانيين وتجبرهم على حمل المخدرات»، وطالب الجهات المسؤولة في الداخل بضبط نشاط مكاتب ووكالات السفر والسياحة (مقابلة في صحيفة الاهرام اليوم السودانية 25/6/2010).

من الواضح أن السودان يشهد حراكا خارجيا وداخليا، وسوف يتواصل حتى نهاية العام.

كاتب وباحث سوداني

ssc_sudan@yahoo.com