لم نكن مخطئين إذن، عندما قلنا إن «خدماتنا الصحية بين الشك والثقة». ولم يجانبنا الصواب عندما أشركنا العاملين المواطنين في هذا القطاع معنا، فكتبنا «خدماتنا الصحية.. وللأطباء المواطنين رأي». ولم نكن متجاوزين لسقف الطموح، عندما رأينا أن «خدماتنا الصحية تستحق أن تكون الأفضل».

فها هو وزير الصحة يعترف بأن «الوضع الحالي للمستشفيات الحكومية لا يتناسب مع مكانة الدولة»، ويقر بأنه «ما زالت هناك حاجة إلى جهود كبيرة للقضاء على المشكلات الكبيرة الموجودة في هذا القطاع، والمتراكمة منذ سنوات».

وحين يعترف هذا المسؤول الأول عن الصحة تحت قبة المجلس الوطني الاتحادي، فإنه يقرر حقيقة يعرفها الجميع ويعانون منها، ليس في القطاع الصحي الحكومي فقط، وإنما حتى في القطاع الخاص الذي تحول إلى تجارة بقصد التربح، الأمر الذي يتطلب فتح ملف هذا القطاع بالتزامن مع ملف القطاع الحكومي، لأنهما يكملان بعضهما.

في شهر ديسمبر من العام الماضي، كتبنا في هذا المكان ثلاثة مقالات حول الخدمات الصحية لدينا، والهجرة التي تشهدها دول شرق آسيا وأوروبا وأميركا، من قبل مواطني الإمارات، بعد أن فقد الناس ثقتهم في كفاءة مستشفياتنا الحكومية والخاصة، نتيجة الأخطاء الكثيرة في التشخيص والعلاج، إضافة إلى الخدمة غير الجيدة التي يتلقاها المرضى في المستشفيات الحكومية على وجه الخصوص، والمواعيد البعيدة التي يحصلون عليها في العيادات المتخصصة، بسبب نقص الكوادر الطبية التي تَبيَّن بالتجربة أن كثيرا منها غير مؤهل تأهيلا جيدا وتنقصه المهارة والخبرة، حتى في التعامل مع الحالات البسيطة، ناهيك عن الحالات الصعبة والمعقدة.

وكان تجاوب القراء والعاملين في القطاع الصحي مع هذه المقالات كبيرا، الأمر الذي يؤكد أن هناك مشكلة في هذا القطاع تحتاج إلى حل جذري، وليس حلولا مؤقتة كما هو شأننا في كل شيء.

ربما يكون اعتراف وزير الصحة في جلسة المجلس الوطني رقم 13 من دور الانعقاد الرابع عشر، التي انعقدت يوم الثلاثاء 22 يونيو 2010، وأرجو أن نتذكر رقم هذه الجلسة وتاريخها لنعود إليهما إذا احتاج الأمر..

ربما يكون هذا الاعتراف الخطوة الصحيحة الأولى لإصلاح القطاع الصحي، الذي يعاني خللا كبيرا وخرقا استعصى على الرتق لسنوات طويلة، وهو اعتراف يتوافق مع تقرير لجنة الشؤون الصحية والعمل والشؤون الاجتماعية في المجلس، الذي أكد أن المستشفيات الحكومية تحتاج إلى 2809 أطباء وممرضين لمواجهة العجز في الكادر الطبي، نتيجة تدني الرواتب والحوافز الوظيفية مقارنة بالهيئات الصحية المحلية، خصوصا في كل من أبوظبي ودبي.

حيث أكد أعضاء المجلس الوطني الاتحادي أن عدد الاستقالات التي شهدتها الوزارة، خلال الفترة من الأول من يناير 2009 إلى إبريل 2010، بلغ نحو 39 طبيبا مواطنا، و95 طبيبا وافدا، إضافة إلى 145 من الفنيين.

هذه الأرقام، والأرقام التي أوردها أعضاء المجلس الوطني الاتحادي حول الفوارق في مستوى الرواتب بين العاملين في وزارة الصحة والعاملين في الهيئات الصحية المحلية، واعتراف وزير الصحة بأن هناك تسربا بالفعل من العمل في القطاع الصحي الحكومي نظرا لضعف الرواتب..

كل هذا يعيدنا إلى تنامي المحلي على حساب الاتحادي، الأمر الذي يضعف المؤسسات الاتحادية ويجعلها تتراجع، في الوقت الذي لا نشاهد فيه تحسنا كبيرا في الخدمات التي تقدمها الهيئات المحلية يتناسب مع الميزانيات الضخمة التي ترصد لها، والدليل على ذلك استمرار الهجرة إلى مستشفيات بانكوك وميونيخ ولندن وغيرها، لانعدام الثقة في الخدمات الصحية التي تقدمها مستشفياتنا وقطاعنا الصحي الحكومي، بشقيه الاتحادي والمحلي.

أما الحديث عن القطاع الصحي الخاص فهو بحاجة إلى فتح ملفات كثيرة، بعد أن تحول هذا القطاع إلى تجارة للتربح، على حساب المرضى الذين يلجأون إليه هربا من القطاع الحكومي وسوء خدماته، الأمر الذي أدى إلى ظهور حالات من التزوير والغش الذي يمكن أن نتقبله رغما عنا في بعض قطاعات التجارة، لكنه يصبح قاتلا عندما يدخل هذا القطاع المرتبط بصحة الإنسان وحياته.

والدليل على هذا توارد أخبار إغلاق العيادات الخاصة والصيدليات بوتيرة أعلى، وسحب التراخيص من بعض الأطباء والعاملين في هذا القطاع. وليست حادثة «جراح تجميل هوليوود» المزيف، الذي ظل يمارس نشاطه في إمارة دبي على مرأى ومسمع من السلطات الصحية المختصة حتى ألقي القبض عليه، إلا مثالا حيا على الغش والتزوير الذي نتحدث عنه.

ولعل قول المدير التنفيذي لشؤون الممارسات الطبية في وزارة الصحة، إن الوزارة لا تتدخل حاليا في أسعار الخدمات التي تقدمها الجهات الصحية الخاصة داخل الدولة، يكشف عن خلل كبير في العلاقة بين الوزارة والقطاع الصحي الخاص، إذ إن رفع الوزارة يدها عن هذا القطاع يطلق يده لفرض الأسعار التي يريدها، دون الرجوع لمستوى الخدمة التي يقدمها ولا لجودتها، خاصة مع تنامي ظاهرة التأمين الصحي التي عززت الحاجة إلى هذا القطاع، وجعلت المستشفيات والمراكز والعيادات الخاصة تشهد إقبالا منقطع النظير، أدى إلى تدني مستوى خدمة هذه المستشفيات والمراكز والعيادات وارتفاع أسعار خدماتها، الأمر الذي يفاقم أزمة الخدمات الصحية في الدولة ويدفع بها إلى مزيد من التعقيد، على حساب صحة البشر وجيوبهم.

ما زلنا نعتقد أن «خدماتنا الصحية تستحق أن تكون الأفضل»، وها هو وزير الصحة يتفق معنا على ذلك. بقي أن يتحول هذا الاعتقاد إلى خطوات عملية، بعد أن شهد شاهد من أهل الصحة الذين نحسبهم، والله حسيبهم، يعرفون العلة والدواء، ونأمل أن يتم على أيديهم الشفاء.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com