ماذا يحدث في أوروبا، ماذا يحدث لأوروبا بعد احتواء أزمة اليونان والاحتواء الاستباقي لازمة اسبانيا والبرتغال والبعض يرى انه احتواء مؤقت وأن الملف لم يقفل كليا. وضع الأسواق الأوروبية وتداعيات الأزمة المالية الاقتصادية تدفع بالدول الأوروبية إلى البحث في تخفيض موازناتها الاجتماعية والى القيام بإصلاحات هيكلية مطلوبة ولكنها موجعة وقد تكون مكلفة سياسية مع مخاطر هذه الإصلاحات على مستوى الاستقرار الاجتماعي، كونها تطال بشكل أساسي الطبقات الاجتماعية المتوسطة والضعيفة.

البناء الأوروبي الذي كان نموذجا يقتدى به في عملية البناء الإقليمي المؤسسي في العالم وما يحمله من فوائد على الجميع عبر التعاون الموسع والمعمق والمتطور، اهتز لتحل محله الأسئلة والتساؤلات حول مستقبله.

لقد بدا العطل واضحا في المحرك الثنائي التقليدي الفرنسي الألماني للقاطرة الأوروبية فرنسا تريد انتهاج سياسة السرعتين او الهندسة المتغيرة عبر تعميق التعاون في اطار نادي 16 لدول اليورو وإنشاء أمانة عامة اقتصادية لهذه الدول فيما ترفض ألمانيا سياسة السرعتين لتؤكد ان الحكومة الاقتصادية الأوروبية المطلوبة والمنشودة يجب ان تضم الجميع.

ورغم التأييد الأوروبي المتوسطي لفرنسا فقد كسبت القوة الألمانية الجولة لتقر الأمر على هذا المستوى. ويقول فاليري جيسكار ديستان الرئيس الفرنسي الأسبق ان اعادة اللحمة والتناغم إلى الثنائي الفرنسي الألماني امر ضروري لانجاح البناء الأوروبي.

وفي إطار الحوارات الأوروبية حول استقرار اليورو وحول مستقبله تولدت القناعة بأنه اذا لم يتم توحيد السياسات الضريبية فلن يكون من الممكن خلق استقرار فعلي للعملة الموحدة.

وطرحت افكار في هذا المجال كشفت عن عمق الأزمة في البيت الأوروبي وتناقض المقاربات للحلول. فالمفوضية الأوروبية اقترحت إحالة مشاريع الموازنات الوطنية إليها لإبداء الرأي فيها قبل إحالتها إلى البرلمانات الوطنية، الأمر الذي رفض كليا واعتبر بمثابة تدخل او تعد على السيادة الوطنية للدولة.

رئيس وزراء فرنسا الأسبق ادوار بالادور اقترح ان تتم عملية تداول لمشاريع الموازنات بين الدول الأعضاء بغية التنسيق فيما بينها قبل إحالتها إلى البرلمانات الوطنية لدراستها واعتمادها، ويكون ذلك بمثابة تنسيق استباقي ووقائي من الأزمات. كلها أفكار تعكس حجم الأزمة وطبيعة العلاج المطلوب من اجل تحقيق الاستقرار الطويل الأجل.

وقد اخذ الأوروبيون الخطوة الأولى بهذا الاتجاه من خلال قرار القمة الأوروبية في يونيو لبلورة استراتيجية موحدة للعمل و«التنمية المستديمة والشاملة». وإذ تؤكد هذه الاستراتجية ضرورة تعزيز التنافسية والنمو والتماسك الاجتماعي فإن العناوين بحد ذاتها تطرح تحديات تفرض اصلاحات على الصعيد الهيكلي وتؤثر على مستقبل البناء الاقتصادي الأوروبي.

ويدرك الأوروبيون ان هنالك حاجة إلى «ورشة» شاملة في الشأن الاقتصادي ليس فقط على الصعيد الوطني إنما أيضا على الصعيد الأوروبي المشترك تفترض أحيانا اتخاذ قرارات تشكل قطيعة مع سياسات مستقرة وتقاليد اقتصادية واجتماعية قوية وراسخة.

مشكلة أوروبا على مستوى آخر فيما تتعرض له بعض دولها من أزمة داخلية تتعلق بالعقد الاجتماعي بين الجماعات المكونة للدولة. بلجيكا التي تتعرض لمخاطر التفكك التي هي مخاطر يخافها الجميع ويبحثون عن عقد جديد بين مكونيها الأساسيين، نموذج صارخ ولكنه ليس وحيداً لحالة القلق الموجودة في بعض الدول الأوروبية «الجديدة» و«القديمة».

بلجيكا عاصمة الاتحاد الأوروبي ورمز البناء الأوروبي وحاضنته الرئيسية والرئيس القادم للاتحاد الأوروبي تعيش اليوم وضعا غير طبيعي بين الطلاق المستحيل والتعايش الصعب بين مكونيها الأساسيين، ذلك أيضا سينعكس على البيت الأوروبي ككل.

أوروبا أيضا تعيش علاقات اقل ما يقال إنها غير سهلة مع جيرانها فعلاقات التعاون الأقاليمي مع الجنوب المتوسطي في اطار الاتحاد من اجل المتوسط معلقة على الصعيد السياسي منذ تأجيل قمة برشلونة مطلع هذا الشهر بسبب الوضع المأزوم والمتوتر في النزاع العربي الإسرائيلي إلى جانب عدم حصول تقدم ملموس منذ عامين في مجالات التعاون الاقتصادي المختلفة، والعلاقات مع الشركاء الشرقيين، وتحديدا الدول الست في الشراكة الشرقية، أوكرانيا، روسيا البيضاء، ملدافيا، جورجيا، ارمينيا واذربيجان تعاني من ازمة.

فهذه الدول تشكو من خفض المساعدات الأوروبية لها، وهو أمر مفهوم في خضم الأزمة الأوروبية رغم ان الاهتمام الأوروبي بهذه الدول له ايضا صفة استراتيجية خاصة لتدعيم الاستقرار في المرحلة الانتقالية الطويلة، مصلحة حيوية لأوروبا و«الغرب» وهي الدول الواقعة على حدود روسيا الاتحادية.

اما العلاقات في اطار «البيت الغربي الأطلسي» منذ وصول الرئيس اوباما إلى السلطة فهي تتسم ببعض البرودة دون ان يعني ان هنالك أزمة، ولكن لم تعد تحمل هذه العلاقات سمة الحرارة والتعاون المميز والشراكة الناشطة على الصعيد العالمي التي اتسمت بها دائما العلاقات الأطلسية وتحديدا بين القطبين الأميركي والغربي رغم المشاحنات التي كانت تحصل خاصة في ظل الإدارة الأميركية السابقة، فالولايات المتحدة استدارت نحو آسيا والمحيط الهادئ لأسباب جيو سياسية وجيو اقتصادية على حساب علاقاتها العابرة للأطلسي.

في حين ان النمو الاقتصادي عاد إلى الانطلاق في العالم فإن الوضع الأوروبي لم يلحق بهذه الحالة العالمية بعد وربما أفضل ما يمكن أن توصف به الحالة الأوروبية والتحدي الذي على أوروبا ان تواجهه قول احد كبار الأوروبيين، الرئيس الأسبق للمفوضية الأوروبية في وصفه لما أوروبا بحاجة إليه، يقول جاك دولور إنه بعد دور رجال الإطفاء فإن أوروبا اليوم بحاجة لمهندسي البناء.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr