لا شك أن تنويع مصادر الدخل أو ايجاد مصادر دخل بديلة من حق كل دولة بما فيها فرض رسوم وضرائب جديدة على استخدام المرافق الحيوية أو مرافق البنية التحتية. فالارتقاء بالبنية التحتية والمرافق العامة إلى الأفضل هو شيء سعت وتسعى له دولتنا، وهو عمل يحتاج إلى انفاق مادي كبير يجب أن تتحمل جزءا منه الدولة ويتحمل الفرد الجزء الاخر.
فقد ذهبت إلى الأبد قضية «مجتمع الرفاه»، وأصبح تطوير الخدمات والارتقاء بها قضية مشتركة بين الدولة والمواطن كما يحدث في كل دول العالم.
ما حدث في مجتمعنا في العقود الماضية كان شيئا استثنائيا، فقد كانت جميع الخطط التنموية تصب في منحنى تصاعدي واحد هو المزيد من الإنفاق وتطوير البنية التحتية وكانت الدولة هي المخطط والممول الوحيد لتلك الخطط، وما كان على المواطن والمقيم سوى الاستفادة من المرافق والخدمات مجانا الأمر الذي جعل من العيش في مجتمعنا حلما لا يراود الكثيرين فحسب بل مختلف الشرائح الاجتماعية والاقتصادية.
فالكل كان يجد فرصة للكسب والعيش مهما كانت طبقته ودخله. ذلك الوضع جعل من مجتمعنا محط أفئدة الكثيرين الذين أتوا من كل حدب وصوب، بعضهم للعيش أو العمل أو لشراء عقار والبعض الاخر للاستثمار مستفيدا من الفرص الكبيرة والتسهيلات المجانية الجمة التي يحصل عليها هنا.
وكانت النتيجة انهمارا سكانيا هائلا عجزت المرافق العامة حتى في الإمارات الكبيرة عن استيعابه. فتم توسعة الطرق وإنشاء شبكة جديدة وبناء المزيد من الوحدات السكنية والمدارس وتم وضع خطط جديدة لإنشاء بنية متطورة مستعدة لاستيعاب الملايين الأخرى دون أن نتوقف لنسأل أنفسنا عن العدد الإجمالي الذي يمكن نتطلع له أو ما سوف يحدث بعد انتهاء ذلك الانهمار. هذا الوضع كانت له ايجابياته وسلبياته. فخلال سنوات الطفرة كان العقار مصدرا للرزق الوفير للعديد من الناس.
فالكثيرون استفادوا من العروض المغرية للشراء والتملك الحر والاستثمار في ذلك القطاع الحيوي. كما جلب الاقتصاد المنفتح منافع مادية لملايين أخرى من المواطنين والمقيمين على حد سواء.
سلبا أثر ذلك الانهمار على خطط الدولة التنموية فضاقت الطرق وقل المعروض من وحدات سكنية وأصبحت البلاد بحاجة إلى المزيد من كل شيء: المزيد من الطرق، الوحدات السكنية، المراكز التجارية، المدارس...الخ لمواكبة الانهمار السكاني الذي أتى من كل أنحاء المعمورة ومن مختلف طبقات وشرائح المجتمع. فالكل يبحث عن فرصة والكل يسعى جاهدا نحو الأفضل. موضوع التدفق السكاني الهائل على المنطقة خلق قضية ظلت تؤرق صناع القرار وشعوب المنطقة حتى هذا الوقت.
فقد خلق ذلك الوضع مشكلة ديمغرافية عصية على الحل. فقد ظل عدد سكان المنطقة في تضاؤل وظل الانهمار السكاني في تزايد، وظل الجميع ينتظر الحل السحري الذي سوف يحافظ على هوية المجتمع من ناحية ومصالحه الاقتصادية من ناحية أخرى. فلا شك أن الدولة قد وضعت خطط طويلة الأمد للارتقاء بأوضاع البلد إلى مصاف الدول المتقدمة من حيث البنية التحتية ومن حيث قدرة مدننا على الاستيعاب وعلى قدرة نظامنا الاجتماعي على استيعاب الغريب واحتوائه وإدماجه.
فالدولة ترصد الملايين من الدراهم سنويا في محاولة منها لتحديث قدرة البنية التحتية من حيث قدرة الطرق على استيعاب أعداد السيارات المتزايدة من ناحية ومن حيث القادمين إليها وخلفياتهم المتنوعة ورغباتهم المعيشية من ناحية أخرى.
وعلى الرغم من أن بعض المدن تهدف إلى جذب شريحة ذوي الدخول العالية والاستثمارات الكبيرة ألا أنها أيضا تحاول توفير مستوى معيشي معين لذوى الدخول المتوسطة والبسيطة أخذة في الاعتبار أنه لا مدينة على وجه الأرض يمكنها العيش بدون تمايز طبقي أي تضم مختلف الشرائح الاجتماعية العليا والمتوسطة والدنيا. ولكن الملاحظ أن بعض مدننا قد تصبح قريبا الملاذ الأمن فقط لذوي الدخول العالية وهذا في حد ذاته قد يخلق مشكلة جديدة.
فتصاعد الغلاء المعيشي والرسوم العالية التي بدأت بعض المدن في فرضها بدءا من رسوم الطرق وانتهاء برسوم العقار المتنوعة قد تجبر أصحاب الدخول المتوسطة والدنيا إلى المغادرة. هذه القضية على الرغم من أنها قد تحل مشكلة ولكنها سوف تخلق مشكلة أخرى ربما في خضم انشغالات النمو الاقتصادي المتواصل لم نفكر فيها طويلا.
فطرق الدولة التي تم انفاق الملايين في توسعتها وتهيئتها ومدها قد تصبح غير مطلوبة كلها في حال انخفض عدد مستخدمي هذه الطرق عن الحد المتوقع، وحجم العقار الموجود قد يصبح عبئا على الدولة وعلى المواطن في حال انخفاض عدد شاغليه وقاطنيه، والاقتصاد قد يصبح أكثر بطئا حين يقل الاستهلاك عن الحجم المتوقع سنويا، والمراكز التجارية الضخمة قد لا تجد من يؤجرها أو حتى يتجول فيها، والمواصلات العامة التي تعتمد الآن على الطبقتين المتوسطة والدنيا قد لا تجد من يستخدمها، فبالتأكيد لن يستخدمها أصحاب الدخول العالية. ومما لا شك فيه أن اقتصاد البلدان يعتمد حراكه ونموه وتطوره على قدرته على احتواء مطالب جميع الطبقات وليس طبقة واحدة فقط.
ولكن الملاحظ أن التسابق بين مدننا على أن تكون جاذبة لفئة اقتصادية معينة يحتاج إلى اعادة نظر حتى يواكب الخطط البنيوية التي تم الاعداد لها منذ عقود. فمنذ ان بدأ التوجه نحو توسعة قطاعات حيوية معينة كالعقار والمواصلات والطرق وغيرها من القطاعات كان النية أنها سوف تستوعب أعدادا معينة من السكان ومن مختلف القطاعات. ولكن ما حصل بعد ذلك يبدو أنه سوف يؤتي بنتائج عكسية.
ان الغلاء المتزايد والرسوم الكبيرة التي بدأت بعض المدن في فرضها قد تؤدي إلى خلخلة سكانية غير متوقعة قد تضر باقتصادنا على نحو نكون فيه نحن غير مستعدين لمواجهته على الأقل في الوقت الراهن. فلا شك أن كلا من الدولة والمواطن يتطلعان إلى تعاف اقتصادي يضع الأمور في نصابها من جديد، لا إلى ردة قوية تزيد الطين بلة.
فحبذا لو يتم دراسة بعض الإجراءات المحلية الحالية لتواكب الوضع الاقتصادي وما نتطلع إلى تحقيقه. فمصلحة الوطن وأيضا المواطن يجب أن تكون نصب أعيننا حين البت في شرعنة بعض الإجراءات.
جامعة الإمارات
