ٍعندما وصل غريب إلى مسقط رأسه القريب من القدس ود أن يزور المسجد الأقصى المبارك للصلاة فيه، وكان به شوق كبير لزيارة المدينة المقدسة أيضاً للتزود بشحنة إيمانية علها تفيده في تحمل قسوة ومرارة الغربة التي يعيشها منذ كان في ريعان الشباب.
وبعد الاطمئنان على الأهل والقيام بواجبات الضيافة والزيارة سأل عن كيفية دخوله إلى أكناف بيت المقدس حيث أن سلطات الاحتلال الصهيوني تمنع مواطني الضفة الغربية من دخول القدس إلا بإجراءات مشددة ولا تقبل السماح لأي فرد ذكرا كان أو أنثى شيخا أو عجوزا إلا ضمن شروط معينة ومقاسات لا تنطبق إلا على عدد محدود من كبار السن.
فيما كل الوجوه الغريبة من كل الملل والأعراق تأتيها من كل حدب وصوب، فتذكرت قول أمير الشعراء احمد شوقي عندما نفاه الاحتلال البريطاني إلى اسبانيا وحرمه من دخول مصر المحروسة:
احرام على بلابله الدوح
حلال للطير من كل جنس
فمنذ عام 2000 لم تتكحل عيناه برؤية مآذن القدس العتيقة ولا الجديدة ولا قباب مساجدها ولم تسمع أذنيه أجراس كنيسة القيامة الحزينة ولا أي أجراس أخرى، وحاول التقدم بطلب رسمي للصلاة في المسجد الأقصى في أول جمعة زار فيها البلاد ولكن كان الرفض هو الجواب لأن العمر اقل من 55 عاما .
وكانت الخيارات الأخرى البديلة تتراوح بين الدخول في سيارة إسعاف أو تهريبا عبر الأسلاك أو من خلال الفتحات القليلة الباقية من جدار الفصل العنصري الذي يلف القدس والضفة الغربية ويتلوى كما الأفعى الرقطاء لكنه أبى أن يدخل بهاتين الطريقتين فالقدس تعز عليه أن يدخلها خلسة أو مدعيا المرض رغم أن «الغاية تبرر الوسيلة» بما في ذلك من مخاطر وأهوال.
ومن المصادفة العجيبة الغريبة أنه التقى في أحد المساجد في الشارقة بأخ مسلم من سيريلانكا فقال له انه زار فلسطين المحتلة قبل شهر فقط وصلى في المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة وفي الحرم الإبراهيمي في الخليل وتجول في بيت لحم حيث كنيسة المهد التي ولد فيها عيسى بن مريم والناصرة وأماكن أخرى عديدة وان من بين الزوار لفلسطين كان البوذي والهندوسي والبهائي والنصراني ومن لا دين له.
وكان أيضاً ضمن الزوار الذين رافقهم في الحافلة من جسر الشيخ حسين الفاصل بين الأردن وفلسطين أناس من كل قارات العالم القديم والحديث وأنهم اجتازوا نهر الأردن نحو أريحا، وانه تذكر كمسلم كيف دخل اليهود أريحا بعد وفاة كليم الله موسى عليه السلام فأعملوا في أهلها السيف حتى أبادوهم عن بكرة أبيهم ولم يسلم منهم الحجر ولا الشجر، فقال ما أشبه الليلة بالبارحة، فها هم حفدة القردة والخنازير يعربدون في أرض فلسطين ويحرقون الأخضر واليابس والشجر والحجر قبل البشر.
لكن لا يمكن إلا أن ننتظر الصبح فالصبح قريب وتباشير الفرج قد لاحت بإذن الله، ولا بد لهذا الليل الطويل أن ينجلي وتشرق شمس الحرية على فلسطين من جديد وتتطهر القدس كما تطهرت مرارا من قبل من دنس كل المحتلين العابرين.
