اكتفت تركيا لسنوات طويلة بحلم الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، وكأن عضويتها في النادي الغربي كفيلة بجعلها ترفل في ثياب العز والمنعة، فأدارت ظهرها لكل ما هو شرقي، مستبدلة الطربوش العثماني بالقبعة، وحروف الكتابة العربية باللاتينية، وانغمست في حلف شمال الاطلسي، مقدمة التسهيلات اللوجستية، وحتى القتالية في صفوفه.

وتحت وهم ان اسرائيل تشكل المفتاح للانضمام الى الغرب، دخل الاتراك في علاقات عميقة مع تل ابيب، جعلتهم يولون الادبار للقضايا العربية والاسلامية ، ومناصرة اسرائيل في اكثر من محفل.غير انه وبعد اكثر من 50 عاما، اكتشف الاتراك ان الاتحاد الأوروبي، يعبث مع انقرة على حد وصف رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، الذي وعى حقيقة الاشياء في هذه العلاقة الملتبسة بين الاتراك والأوروبيين، فراح يتهمهم بأنهم ناد مسيحي لا يود ان تدخله تركيا المسلمة.اكثر من ذلك أعرب المندوب التركي لدى الاتحاد الأوروبي فولكان بوزكير عن اعتقاده بأن حلم تركيا بالانضمام إلى الاتحاد قد انتهى ناعيا الحلم التركي بالانضمام الى هذا الاتحاد المتمنع.

هذه التصريحات التركية التي تكشف عن مخزون من الاحباط تجاه قضية جوهرية بالنسبة الى الاجيال المتعاقبة من الاتراك منذ تأسيس الدولة التركية على انقاض الامبراطورية العثمانية، وان رافقت العدوان الاسرائيلي على قافلة اسطول الحرية ومقتل 9 من المواطنين الاتراك في عرض المياه الدولية، الا انها وليدة التو واللحظة، فالمراوغات الاوروبية في التعامل مع الملف التركي في السنوات الاخيرة فاضت عن الكيل.

ولم يكن غريبا في خضم التوتر الشديد بين الاتراك واسرائيل، والانفتاح التركي غير المسبوق في التصدي للقضايا العربية واهمها القضية الفلسطينية، ان يسارع وزير الخارجية الاميركي روبرت غيتس، الى تحميل الغرب مسؤولية اتجاه تركيا شرقا.

لكن هل انتهى حلم الأتراك بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي حقا؟ وهل ستتوقف عملية الركض التركي خلف اللحاق بالقطار الغربي الذي يمضي بعكس طريقها في عرف البعض؟ الا تعد التصريحات التركية الغاضبة تجاه الاتحاد الاوروبي والتلويح بالاتجاه شرقا، مجرد أوراق للضغط ليس إلا؟

الوصول الى إجابة نهائية يصعب استخلاصها، لكن المؤشرات الاولية تقول ان العشق التركي للغرب يصعب الشفاء منه، فها هو اردوغان نفسه الذي اتهم الغرب بالعبث مع الاتراك يقول (إن تركيا تبذل جهدها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كعضو كامل، وإن بلاده أنشأت وزارة مخصصة للاتحاد الأوروبي)، مؤكدا إن السياسة الخارجية لتركيا لم تغير محورها وإن الذين يدعون ذلك لم يفهموا السياسة الخارجية التركية المتعددة الأبعاد، ودعا الاتحاد الأوروبي إلى السماح لتركيا بالانضمام إليه ليثبت أنه ليس نادياً مسيحياً، وأكد أن بلاده لن تشكل عبئاً على الاتحاد بل ستساعده في حمل أعبائه، هذه هي كلمات اردوغان رغم حدة الغضب من الأوروبيين، فهل تدل على أي تغير في الموقف التركي، بما يجعلنا نأخذ نعي مندوب تركيا لدى الاتحاد الأوروبي للانضمام إلى الاتحاد على محمل الجد.

وخشية أن يفهم الأمريكان أكثر المؤيدين لانضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي الرسائل التركية في ازمة اسطول الحرية بشكل مشوش، نجد حرص اردوغان على تأكيدأن علاقات بلاده والشرق الأوسط لم تبدأ مع سلطة «حزب العدالة والتنمية» الحاكم، الذي يتزعمه، بل هي ممتدة منذ ما قبل تأسيس الجمهورية التركية. وإن «الولايات المتحدة هي إحدى الدول التي يمكنها أن تفهم مهمة تركيا على أفضل وجه»، لان «محورنا هو محور السلام والتضامن والقانون. وهذه المحاور لم تتغير عبر التاريخ، ولن تتغير» على حد قول اردوغان.

ولم يكتف رئيس الوزراء التركي بتوضيح موقف حكومته من التقارب الواضح مع العرب بهذه التصريحات، بل بعث بوفد برلماني من أعضاء حزب العدالة والتنمية الحاكم الى واشنطن لشرح مواقف الحكومة التركية الأخيرة.

الوفد الذي ترأسه نائب رئيس حزب العدالة والتنمية عمر تشليك تألف من أربعة برلمانيين التقوا فور وصولهم الى واشنطن فريقاً من خبراء الشؤون التركية وتركز النقاش بينهم على الاعتداء الاسرائيلي على سفن اسطول الحرية المتوجه الى غزة.

وأجرى الوفد التركي بعد ذلك لقاءات مع عدد من أعضاء الكونغرس الأميركي حيث شرح الاتراك وجهة نظرهم في الاعتداء على قافلة الحرية الذي قتل خلاله مواطنين أتراك على يد الجنود الاسرائيليين، ووجوب اعتذار تل أبيب عن هذا الاعتداء، وتمسك تركيا بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة في هذا الاعتداء الذي وقع في مياه دولية.

وأشار الوفد الى أن العلاقات ستتأزم كثيراً بين تركيا واسرائيل في حال عدم استجابة الأخيرة لطلب تشكيل لجنة التحقيق الدولية.

ربما يعتبر البعض التصريحات والتحركات التركية تدخل ضمن الاعمال الدبلوماسية الروتينية ، التي تقوم بها الدول عادة عندما تقع الأزمات، وان تركيا لم تعد هي تركيا اتاتورك، فحزب العدالة والتنمية، احدث من التغييرات على الارض ما يصعب محوه.

وان تركيا تعود للاتساق مع ابعادها الجيوسياسة، لانها بلهاثها وراء الركب الغربي أشبه بالغراب الذي يقلد مشية الطاووس على حد وصف الجغرافي المصري الراحل جمال حمدان صاحب العمل الموسوعي (شخصية مصر .. دراسة في عبقرية المكان).

نحن نتمنى ان يكون الاتراك قد ادركوا مدى خسارتهم من البعد عن محيطهم العربي والاسلامي، وتعلقهم بالسراب الاوروبي، وان كان ذلك لا يعني دعوة انقرة الى الطلاق مع الغرب، وإنما إلى توازن في علاقاتها بين الشرق والغرب.

tnh57@hotmail.com