لم يكن لدى الإدارة الأميركية الراحلة مفهوم واضح للسلام العادل ولا يبدو أن الإدارة الأميركية الحالية تملك هي الأخرى قدرة على تحقيق السلام في ظل الانحياز الدائم لإسرائيل اليهودية ولجرائمها اللاإنسانية ضد القوانين الدولية الإنسانية .
وعلى عكس القرارات الأممية، وحتى وإن امتلك الرئيس أوباما القناعة بدرجة ما بعدوانية إسرائيل وبظلم الشعب الفلسطيني على يد الصهاينة، إلا أنه يثبت لدينا يوما بعد يوم وبعد مرور عام على خطابه الموجه للعالم الإسلامي من القاهرة، ان هذه الإدارة لا تمتلك القدرة على مواجهة اللوبي الصهيوني اليهودي المتحالف مع اللوبي اليميني المسيحي في غياب اللوبي العربي الإسلامي لتطبيق هذه القناعة.
رأينا ذلك في جل المواقف السابقة للإدارة السابقة التي لم تملك مفهوما واحدا لتعريف السلام ولا معيارا واحدا لتعريف الديمقراطية، ولا ترجمة واحدة لتعريف الإرهاب، ونرى ذلك الآن يستمر واضحا من الإدارة اللاحقة في الموقف من الاستيطان والتهويد والعدوان والإجرام الصهيوني.
ومن ثم فإن هذا التناقض سيبقى واضحا إن لم يكن فاضحا للشعارات الغربية عموما والأميركية خصوصا بين النظرية والتطبيق، وهذا في الحالتين يتناقض مع المسؤولية الأخلاقية التي هي جوهر القيم التي يؤمن بها غالبية الشعب الأميركي .
والتي قامت على أساسها الولايات المتحدة والتي استند إليها أوباما في حملته الانتخابية، بما كشف الإدارة الأميركية الراحلة ويورط الإدارة الحالية كشاهد زور على تلك المسؤولية الأخلاقية للأمة الأميركية.
اضطراب المواقف السياسية الغربية الداعمة بدرجة أو بأخرى للاحتلال والعدوان والإجرام الصهيوني ضد الإنسانية، وتناقض التصريحات والمواقف الرسمية الإعلامية الأميركية والأوروبية والحرية، وازدواج المعايير في التعامل مع العديد من الأحداث والقضايا في المنطقة العربية والإسلامية، خصوصا في جريمة فرض الحصار على غزة عقابا للخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني.
وفي جريمة العدوان على أسطول الحرية، بالمخالفة لمبادئ وقواعد القانون الدولي والإنساني، وبالتناقض مع مواقف قطاعات شعبية واسعة في بلادهم المؤيدة للحق والعدل والحرية ـ هو ما أفقد الإدارة الأميركية السابقة، وهو نفسه ما يفقد الإدارة اللاحقة تدريجيا الثقة والأهلية والمصداقية.
فجل التصريحات والممارسات والتحركات تقول لنا بلا مواربة إن السلام الأميركي والأوروبي لا يعني سوى السلام الإسرائيلي الذي لا يعني في النهاية إلا محاولة فرض الاستسلام على العرب وفقا للشروط والتفاسير الإسرائيلية المدعومة بالغطاء السياسي والإعلامي والدعم الاقتصادي والعسكري الغربي، القائمة على العدوان واغتصاب أراضي وحقوق الغير بالقوة والاعتداء على كل حقوق الإنسان العربي الفلسطيني بالإرهاب وجرائم الحرب ضد الإنسانية على حساب المبادئ الإنسانية!
بهذه المعايير المزدوجة والمواقف غير العادلة يتعاملون مع قضايانا العادلة سواء تلك التي يكون فيها الحلف الصهيوني الأميركي طرفا فيها كفلسطين والعراق بالاحتلال العدواني المباشر مثلا، أو تلك التي تتدخل أميركا وإسرائيل فيها كما حدث في فلسطين ولبنان لتكريس الانقسام وإشعال الحروب الأهلية.
وكما يحدث الآن في السودان بالتدخل السافر لفصل الجنوب عن الشمال، أو لإشعال الفتن الطائفية والعرقية والمذهبية، أو لتعطيل الحوارات الوطنية بهدف تكريس الانقسامات ومنع الوحدة الوطنية تحقيق السلام في أكثر من دولة عربية أو إسلامية.
والدليل أنه كلما تحدثوا أو تحركوا باسم السلام في فلسطين مثلا سواء للوساطة بين الفلسطينيين والإسرائيليين تحت غطاء المفاوضات المباشرة بلا نهاية أو غير المباشرة بلا نتيجة، تواصل إسرائيل عمليات الاستيطان والتهويد وهدم البيوت وطرد السكان بإعلان أو بغير إعلان.
وتسارع إسرائيل بالسلاح والعدوان لشن الحروب وارتكاب الجرائم، بمزيد من الاستيطان وتعلية الجدران وكل أشكال العدوان على حقوق الإنسان تحت غطاء الصمت الأميركي عن الكلام في الإدارة السابقة أو بالتبرير الفاقد للمنطق القانوني أو الإنساني في الإدارة اللاحقة، في اتجاه معاكس لمبادئ الحق والعدل والحرية والسلام.
ليبقى السؤال هو.. كيف يمكن لتمثال الحرية الأصم المطل على المحيط في بلد الحرية الأميركية أن يظل واقفا في مكانه دون أن يتهاوى من الخجل كشاهد زور على الجريمة الإسرائيلية باغتيال الحرية في البحر المتوسط تمر دون عقاب بتبرير أخرق من إدارة بلد الحرية؟!
كاتب مصري