يلعب الاعلام في الحياة المعاصرة دورا طليعيا من حيث تشكيل صورة أية قضية في أذهان الرأي العام الاقليمي والدولي على النحو الذي يريده من بيده ناصية الأمر أو بالاحرى من يمول القناة الاعلامية سواء كان فردا او مؤسسة او دولة وأصبح الاعلام بمثابة (القوة الناعمة) الحقيقية التي تصنع النصر لأي قضية وقد تردد كثيرا في تحليلات المحللين عن الأسباب والعوامل التي أدت الى سقوط الاتحاد السوفييتي دون إطلاق رصاصة واحدة عليه بأن هذا السقوط كان بسلاح الاعلام والرعاية المضادة .
وإذا تمعنا في قضايا المنطقة العربية نجد أن صوت الاعلام هو الأعلى والأقدر في التأثير بحيث تحولت الصراعات الاقليمية والقضايا المصيرية مثل القضية الفلسطينية الى مرتع لهواة التصنيفات ، وهي في معظمها تصنيفات سلبية بحق العرب والمسلمين من أجل كسب مواقع لصالح الاحتلال الاسرائيلي ، فواشنطن دأبت على تصنيف الارهابيين او داعمي الارهاب جريا على النسق الاسرائيلي وهنا تكمن خطورة مشروع قرار مجلس النواب الاميركي بتصنيف بعض مشغلي الاقمار الصناعية كمنظمات إرهابية إذا تعاقدوا مع قنوات فضائية تصنفها واشنطن على أنها (منظمة إرهابية) .
وقد أبرز الجدل في فرنسا على منع بث قناة الأقصى مدى الخلط في التصنيفات وطالب العرب مرارا بتحرير مفهوم جامع مانع للإرهاب والتمييز بينه وبين الحق الشرعي في مقاومة الاحتلال ولكن لا مجيب والآن يتمدد التهديد بسيف التصنيف كإرهابي الى ساحة الاعلام العربي ، الأمر الذي ناقشه وزراء الاعلام العرب في دورتهم الثالثة والأربعين التي اختتمت أمس الأول في القاهرة والذين قرروا تشكيل فريق عمل من الخبراء والقانونيين والاعلاميين لوضع تشريعات عربية لحماية الاستثمارات العربية في مجال الاعلام من تداعيات مشروع قرار مجلس النواب الاميركي .
وقد تابعنا كيف صنفت اسرائيل جمعية خيرية على أنها إرهابية لمجرد تجهيزها لبعض مواد الاغاثة والأجهزة الطبية للفلسطينيين في قطاع غزة كما وصف بعض الوزراء الإسرائيليين ساحل غزة بأنه ميناء ايراني لاطلاق الصواريخ على اوروبا الى غير ذلك من محاولات تشويه الوقائع حتى يظل الستار الإعلامي التضليلي الاسرائيلي حول مأساة غزة كما هو ومن ثم يظل الحصاد قائما كما أرادت له سلطات الاحتلال أن يكون .
والأمر ذاته يقال عن أسلوب التناول الاعلامي لقضايا لا تقل خصورة كالاستيطان أو تهويد القدس أو طرد الفلسطينيين وإحلال مستوطنين محلهم ، كل هذه الأعمال العدوانية لها مصطلحات معاكسة تبدو من خلال الاعلام الغربي في اوروبا والولايات المتحدة كما لو كانت أعمالا شريفة ونأمل أن تجد قضية التصنيفات هذه بندا لها في قائمة جدول أعمال القمة العربية الخماسية المرتقبة يوم الاثنين المقبل في ليبيا .
لقد طال بنا الأمد ونحن ننتظر اليوم الذي توجد فيه رؤية عربية مشتركة لمقاومة العدوان الاعلامي الاسرائيلي وداعميه في الخارج قبل ان تتحول كل ادواتنا للتحضر والتخاطب والتعلم والاتصال بالعالم مدرجة على قوائم الإرهاب العالمي إرضاء لخاطر اسرائيل وكذلك وضع استراتيجية عربية واضحة وشاملة وموحدة لمواجهة حملات التشويه لصورتنا كعرب وكمسلمين امام الرأي العام العالمي رغم الشراكة والمصالح المتشابكة والمساهمات العربية في النهوض بالاقتصاد العالمي والمساهمة الفعالة في مسيرة الحضارة الإنسانية المعاصرة ومع ذلك يلاحقنا الغبن فيما نقدمه من خير كثير للبشرية .
