ذنبها الوحيد أنها قالت الحقيقة لا غير، قالت بصريح العبارة إن هؤولاء الغزاة الطغاة الذين احتلوا أرض فلسطين، ما عليهم إلا العودة إلى ديارهم في الدول التي أتوا منها. وكان الرد أن تعود الصحفية العجوز المخضرمة إلى بلدها الأصلي لبنان!
والفرق هنا شاسع، فهيلين طوماس المنحدرة من أصل لبناني، لم تحتل أميركا وإنما استقرت فيها وأصبحت مواطنة أميركية تحترم قوانين وتشريعات بلد العم «سام»، ولم تفكر يوما بأن تدعي وتقول إن أميركا أرض لبنانية.
ما تعرضت له الصحفية التي غطت البيت الأبيض لمدة تفوق نصف قرن، والتي تعاملت مع عشرة رؤساء أميركيين، هو بكل بساطة إرهاب فكري منظم، واضطهاد ليس جديدا على الإطلاق على الماكينة الإعلامية الصهيونية ودوائرها السياسية المختلفة.
فضحايا اللوبي الصهيوني كثر والتجارب عديدة، ومن ضحايا الإرهاب الفكري الصهيوني، بول فيندلي الذي صاحب كتاب «من يجرؤ على الكلام»، وأندري يونغ حاكم أتلانتا السابق وممثل الولايات المتحدة الأميركية في الأمم المتحدة، وكذلك المفكر الفرنسي رجاء غارودي الذي كتب «الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل»، وغيرهم كثر.
. لأن من يشكك في الهولوكوست أو ينتقد الكيان الصهيوني، يكون مصيره التعرض للإرهاب الفكري والاضطهاد والتهميش والمضايقات المختلفة، بهدف إسكات الأقلام والأفواه التي تقول الحقيقة وتكشف الأكاذيب والأساطير والادعاءات الصهيونية المضللة.
ما تعرضت له هيلين طوماس يخرج عن عرف وتقاليد الديمقراطيات الغربية، فالكلام الذي أدلت به هذه الصحفية المخضرمة، هو كلام منطقي وواقعي وصحيح بكل المقاييس، وإذا كان فيه أي شيء من التجريح والتضليل والتشويه فالقضاء موجود، وما على أي طرف أو جهة ترى أن هناك قذفا في حقها إلا أن ترفع دعوى قضائية ويفصل القضاء حينذاك في المشكل.
لكن ما حصل هو أن جهات رسمية، بما فيها مسؤولون كبار والرئيس الأميركي نفسه، تهجموا على هيلين ومارسوا ضدها إرهابا فكريا ومضايقات معنوية ونفسية، دفعتها إلى الاستقالة والتخلي عن عملها. ولم يقف أحد إلى جانبها، وخاصة المؤسسة الاعلامية التي تعمل فيها!
ولفهم ميكانيزمات الآلة الإعلامية والدعاية الصهيونية بطريقة جيدة، وفهم ما تعرضت له هيلين طوماس وغيرها من المفكرين والمثقفين وصناع الرأي العام في مختلف أنحاء العالم، يجب الرجوع إلى بروتوكولات حكماء صهيون في المؤتمر الصهيوني العالمي الأول في «بال» بسويسرا، الذي خصص البند الثاني عشر منها للكيفية التي ستتم بموجبها السيطرة على وسائل الإعلام ومختلف قنوات الاتصال الجماهيري في العالم، من أجل التحكم في الرأي العام العالمي، وخاصة الأميركي والأوروبي منه.
ومن تلك القرارات في البروتوكول الثاني عشر:
* إن القنوات التي يجد فيها الفكر الإنساني ترجمانا له يحب أن تكون خالصة في أيدينا.
* إن أي نوع من أنواع النشر أو الطباعة يجب أن يكون تحت سيطرتنا.
* يجب أن لا تكون لأعدائنا وسائل صحفية يعبرون فيها عن آرائهم، وإذا وجدت فلا بد من التضييق عليها بجميع الوسائل لكي نمنعها من مهاجمتنا.
* الأدب والصحافة هما أعظم قوتين إعلاميتين وتعليميتين خطيرتين، ويجب أن تكونا تحت سيطرتنا.
* لن يصل طرف من خبر إلى المجتمع من غير أن يمر علينا، فالأخبار تتسلمها وكالات قليلة تتركز فيها الأخبار من كل أنحاء العالم، وحينما نسيطر عليها لن تنشر إلا ما نختاره نحن من هذه الأخبار.
* لا بد لنا من الهيمنة على الصحافة الدورية حتى تصبح طوع بنانا، تهيج عواطف الناس حين نريد، وتثير المجادلات الحزبية الأنانية التي تخدم مصالحنا حين نريد، ونسيطر بواسطتها على العقل الإنساني.
* ستكون لنا جرائد (صحف) شتى تؤيد الطوائف المختلفة، من أرستقراطية وجمهورية وثورية، بل وفوضوية أيضا، وستكون هذه الجرائد مثل الإله الهندي فشنو، لها مئات الأيدي وكل يد ستجس لنا نبض الرأي العام المتقلب.
* سنصدر نشرات تهاجمنا وتعارضنا، ولكن بتوجيه اتهامات زائفة ضدنا، مما سيتيح لنا الفرصة لكي نقنع الرأي العام بأن كل من يعارضنا لا يملك أساسا حقيقيا لمناهضتنا، وإنما يعتمدون على الاتهامات الزائفة.
* يجب أن نكون قادرين على إثارة عقل الشعب عندما نريد وتهدئته عندما نريد، وسنفعل ذلك بطبع أخبار صحيحة أو زائفة حسبما يوافق غرضنا، وسننشر الأخبار بطرقنا الخاصة بحيث يتقبلها الشعب ويصدقها، ولكننا يجب أن نحتاط جيدا قبل ذلك بجس الأرض قبل السير عليها.
* يجب أن نشجع ذوي السوابق الخلقية على تولي المهام الصحفية الكبرى، وخاصة في الصحف المعارضة لنا، فإذا تبين لنا ظهور أية علامات للعصيان من أي واحد منهم، سارعنا فورا إلى الإعلان عن مخازيه الخلقية التي نتستر عليها، وبذلك نقضي عليه، ونجعله عبرة لغيره.
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة