ونحن نقترب، في البحرين، من الاستحقاق الانتخابي للفصل التشريعي الثالث، يقفز تساؤل ملح وهو: هل الشباب جزء من العملية السياسية؟ وهل هذا الجزء مكون أساسي فيها أم مجرد جزء تكميلي ترقيعي لا مردود منه عليهم؟
وقبل الخوض في ذلك، من المهم البحث في الحالة الشبابية العامة، وهو الأمر الذي ينقلنا لأربع حالات أو تصنيفات أو مجموعات من الشباب. فهناك قطاع من الشباب، وهو الأكبر من حيث العدد، منسحب ذو اهتمام متدنٍّ بالقضايا العامة، ولم تستطع القوى السياسية أن تجعل من نفسها محطة لأفكاره السياسية والثقافية والاجتماعية.
بمعنى أن القوى السياسية بكل ما يتم من حديث عن قدراتها التحشيدية، تبقى عاجزة عن الوصول لهذا القطاع في خطابها ومن خلال رموزها السياسية. وهي فئة لم تجد أيضا اهتمامات جادة من قبل القطاع الرسمي، إلا في بعض المحاولات المتفرقة التي يسبق إنجازها الإعلامي إنجازا حقيقيا على الأرض، بل يبدو هذا القطاع بعيدا وربما مغتربا عن كل القضايا والمشكلات التي يطرحها الجيل الشبابي.
إلا أن هذا الانسحاب قد يعكس في بعض حالاته قدرا من الإحباط، وهي حالة قد لا تعكسها حالة اللامبالاة البينة عند بعض أفراد هذه الفئة، فالمستتر قد يكون موغلا في الغليان ولا تعكسه الحالة الظاهرة المستكينة.
وهي حالة قد تُستغل في لحظات انعتاقها، عندما تنفلت الشحنات من عقالها، من قبل الكثير من قوى الحراك السياسي، بل من قبل قوى لا سياسية منعتقة من ضوابط المجتمع، أي تلك القوى التي يطلق عليها في الحقل الاجتماعي «القوى اللا معيارية».
وهذه الفئة أقرب لما قد يسمى بالفئة الصامتة، التي وإن كانت تحمل مواقف وآراء من القضايا والمشكلات القائمة، إلا أنها لا تترجم هذه الرغبات والمواقف على الصعيد العملي.
ولعل هذا عائد إلى غياب لما قد نسميها القوى الوسطية الليبرالية الفاعلة، ذات الأهداف والرؤى السياسية الواضحة والقادرة على استقطاب الفئات الشبابية الجديدة. وقد تكون هناك قوى ليبرالية، إلا أنها تبقى جماعة تفتقر للقوة بسبب افتقارها أولا للإطار التنظيمي، وثانيا للرؤى السياسية والاجتماعية والثقافية الواضحة، والتي يفترض أن تمثل امتدادا للأفكار والرؤى الليبرالية العالمية.
وقد تكون هناك قوى سياسية أكثر تنظيما باتت تطل الآن بأفكارها على الاطروحات الليبرالية، إلا أنها بفعل إرثها السياسي السابق، تبقى أقرب إلى ما يسمى بيسار الوسط في الحالة الأوروبية.
وتأتي بعد هذه الفئة فئة أخرى أصغر منها بكثير، وتشعر لأسبابها الخاصة بقدر من الرضى عن السياق العام، وقد يدفعها رضاها السياسي هذا للركون إلى ما هو قائم، وتقليص مطالبها في الأطر المعيشية والاجتماعية.
وهي فئة قد تبدو متسعة إلى حد ما، تتداخل فيها عناصر من الإسلام السياسي، وبعض الفئات الشبابية الجديدة التي قد يكون أتاح لها قربها النسبي من جماعات النفوذ الجديدة الإسلاموية، أن تحقق بعض من تطلعاتها الوظيفية في الترقي، إلا أنها تبقى مع ذلك فئة غير فاعلة من الناحية السياسية، بمعنى أنها، رغم المنافع التي حصلت عليها، غير قادرة على أن تشكل تيارا سياسيا يستوحي من السياق السياسي الرسمي أطروحاته ورؤاه السياسية.
بل إنه في غياب رؤية مستقبلية لأن يكون من بين هذه الفئة بعض من القيادات السياسية الجديدة، فإن هذه الفئة ستبقى حبيسة المنافع الوظيفية أو الاقتصادية، دون إطلالة حقيقية على أهمية التشكيل السياسي الجديد وفق رؤى سياسية جديدة، تستمد بعضا من أطروحاتها من تلك الرؤى السياسية المتشكلة عند الجيل الجديد في المجتمعات الغربية.
أما الفئة الثالثة من الشباب، فهي فئة منفعلة مع قضايا الشأن العام، إلا أنها تبقى من حيث الحجم أصغر من الفئة السابقة، ومع ذلك وبفعل حالتها التنظيمية، يبدو صوتها مسموعا إذا ما قورن بالفئتين السابقتين.
وهي فئة يأتي انفعالها مع قضايا الشأن العام من خلال الجماعات السياسية الأساسية، المتمحورة في جلها في إطار جماعات الإسلام السياسي وجماعات اليسار واليسار القومي. وتبقى الغلبة في ذلك لجماعات الإسلام السياسي الذي مكنته إمكانياته المالية والتنظيمية وسيطرته على المؤسسات الدينية، من أن يأتي تحت مظلته السياسية الكثير من فئة الشباب.
وهذه الجماعات توظف الطاقات الشبابية، إما لخدمة أهدافها السياسية التنظيمية، أو لخدمة الأهداف الشخصية لقياداتها السياسية التي جاءت سنوات الانفتاح السياسي لتزيد من مواقعها، ولتعلي من أرصدة قياداتها من الناحية السياسية والاقتصادية.
وعلى الرغم من أن جل نشاط جماعات الإسلام السياسي، بفصائله المختلفة واصطفافاته المتعددة، يقوم على طاقات قواعده الشبابية، إلا أن حضور الشباب في صفوف مجالس إدارة هذه الجماعات يبقى حضورا منعدما.
فجل مجالس إدارة هذه الجماعات من أعضاء أعمارهم لا تقل عن الأربعين وما فوقها، كما يختفي الشباب من بين ممثلي الكتل البرلمانية الرئيسية، كالإخوان والسلف والوفاق. فقيادات هذه الجماعات تبقى في ذلك غير شبابية، وإن وظفت الطاقات الشبابية في صعودها السياسي.
أما الفئة الشبابية الرابعة والأخيرة، فهي الفئة المندمجة في قضايا الشأن العام من خلال تنظيماتها السياسية ذات الإرث السياسي اليساري، والتي وإن خضع خطابها لقدر من التغيير من حيث مفرداته ومكوناته السياسية، إلا أنها تبقى كتنظيمات سياسية ذات قدرات محدودة في تأطير الفئات الشبابية وفي القدرة على استقطابها بذات الكم الذي عليه جماعات الإسلام السياسي.
وهنا فإنه يمكننا القول إن انخراط الشباب في العمل السياسي، أو لنقل في قضايا الشأن العام، يكاد أن يصادر في جله من قبل جماعات الإسلام السياسي بضفافها وتوجهاتها المختلفة. كما أن الانخراط في العمل السياسي حتى في الأطر الرسمية، يكاد هو الآخر أن يحتكر من قبل الفئات العمرية غير الشبابية.
وختام الحديث أن القطاع الشبابي يكاد أن يكون فضاء مهملا من قبل القطاع الحكومي، وأن هذا الحضور يبقى مع ذلك حضورا موسميا، أو أنه أقرب إلى الحضور الإعلامي ذي التأثير السياسي المؤقت، غير القادر على اختراق الدوائر والكتل الشبابية المهمة والمهمشة في بعض المراكز والأطراف.
كاتب بحريني
