كثُرت التساؤلات والآراء في أوروبا خلال السنوات الأخيرة، عن الطبيعة الحقيقية للعلاقات الأوروبية ـ الروسية، وعمّا ينبغي أن تكون عليه؟
إذا كان الحرص على تأكيد الصداقة الأوروبية ـ الأطلسية هو النغمة السائدة، فليست قليلة هي الأصوات التي طالب أصحابها صراحة بضرورة إقامة «محور باريس ـ برلين ـ موسكو».
مثل هذا الطرح تواكب مباشرة، وبالتوازي، مع الدعوة إلى الابتعاد عن واشنطن. الرأي السائد أوروبياً بخصوص العلاقة مع روسيا، هو أن الأوروبيين لم يتوصلوا حتى الآن إلى صياغة «اللغة المناسبة» للتعامل مع ورثة القوّة العظمى السوفييتية السابقة.
ومن الواضح أن العقدين السابقين، أي منذ انهيار المنظومة الشيوعية و«طليعتها الاتحاد السوفييتي»، عرفا أشكالا من التوترات وسوء الفهم بين أوروبا الغربية وروسيا، حيث كانت الحرب الجورجية في خريف عام 2008 أحد تعبيراتها الصارخة الأخيرة.
وكانت عملية توسيع إطار الاتحاد الأوروبي ليضم 27 دولة اعتباراً من مطلع عام 2004، قد أسهمت في تعميق منعطف أوروبي نحو تبنّي نهج «أكثر أطلسية»، في الدبلوماسية الأوروبية عموماً.
ذلك على خلفية واقع أن الدول الأعضاء الجديدة، كانت في أغلبيتها الساحقة من دول أوروبا الشرقية والوسطى الشيوعية سابقاً، التي تريد الابتعاد عن موسكو والاقتراب من واشنطن، ضماناً لحمايتها حسب تقديراتها. وكانت هذه الدول قد أظهرت موقفاً مؤيداً للحرب الأميركية ـ البريطانية على العراق في ربيع عام 2003.
لم تكن روسيا تأخذ الكثير من تفكير الأوروبيين أو في حساباتهم الاستراتيجية، عندما كان بوريس يلتسين رئيساً لها في السنوات الأولى لما بعد الشيوعية. ذلك أن برنامجه في السياسة الخارجية، لم يكن يتعدّى في الواقع قبول بلاده في عداد دول العالم الغربي.
الأمور تغيّرت جذرياً مع وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة في روسيا، وعودتها القوية تدريجياً إلى المسرح الدولي. ومنذ بداية هذا القرن، مع بوتين واستمراراً مع الرئيس الحالي ديمتري ميدفيديف، عرف النهج الروسي ثباتاً واضحاً في تحديد السياسات والأهداف. ولم يحدث أي خلل على رأس السلطة بين الثنائي الحاكم، كما كان يأمل غربيون كُثر.
وفي الأشهر الأخيرة، بل وحتى في الأسابيع الأخيرة، تسارعت الأحداث في اتجاه الدعوات السابقة والمتجددة للتقارب الأوروبي مع موسكو. وكانت قمّة «الاتحاد الأوروبي ـ روسيا» التي انعقدت في القوقاز مطلع الشهر يونيو الحالي، قد سجّلت خطوة «نوعية» من حيث نقاشها لموضوعات ليست خلافية، ولا علاقة لها بإرث الماضي البعيد أو القريب، ولكن بالأحرى ذات علاقة بالمستقبل.
وذلك عبر التركيز على مشروع التحديث كأفق، وعلى إلغاء تأشيرات الدخول المتبادلة، كإجراء دبلوماسي فوري كان يبدو بعيدا جداً حتى فترة قريبة.
لا شك في أن الأزمة المالية العالمية وما ترتب عليها أوروبياً، وملاحظة توجّه أوباما لتعميق العلاقة مع الصين في ما عُرف ب«قمّة الاثنين الكبار»، دفع أوروبا إلى إعادة تقييم «الورقة الروسية» في عالم متغيّر، كما بدت «الورقة الأوروبية» مفيدة لروسيا من أجل تثبيت مواقعها الدولية. هناك إذن، مصلحة متبادلة، لها بالضرورة وزنها في صياغة السياسات المعنيّة بها.
وفي مثل هذا السياق برز تقارب فرنسي ـ روسي، أطلق عليه المعلّقون والمحللون الفرنسيون تسمية «التحالف الجديد»، وتمّ توصيفه على أنه «شراكة حقيقية تتماشى مع الخيار الاستراتيجي الذي تبنّاه البلدان». وفي غضون ثلاثة أسابيع فقط، قام فلاديمير بوتين بزيارة رسمية إلى باريس، والتقى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بالرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف في سان بطرسبورغ.
التوصيف الذي قدّمه الرئيس ساركوزي للعلاقات الروسية ـ الفرنسية الحالية، ليس أقل من قوله: «من النادر في التاريخ أن كانت العلاقات بين روسيا وفرنسا بمثل هذه الدرجة من الطموح. علاقات بلا غيوم، ومفعمة بالثقة المتبادلة».
العلاقات الفرنسية ـ الروسية تدخل إذن مرحلة جديدة. ومن الواضح أن الرئيس الفرنسي يلعب ورقة «الواقعية السياسية»، إذ ليس في مساره السياسي ولا في رؤيته للعالم أو مواقفه السابقة أو انتمائه الإيديولوجي، ما يسمح بالقول إنه يمكن أن يصل إلى مثل هذا الحماس في التقارب من موسكو. بل هناك الكثير مما يشهد على عكس ذلك.
وهذا ما يسمح بالتساؤل حول حقيقة السياسة الفرنسية حيال روسيا، كما عبّر عنها الرئيس ساركوزي، وكذلك حول حقيقة السياسة الأوروبية حيالها، كما بدت في قمة الاتحاد الأوروبي ـ روسيا الأخيرة. وهل هناك في المقابل تصوّر فعلي وواضح لدى الأوروبيين حول مكانة روسيا في القارّة القديمة؟
الإجابات عن مثل هذه التساؤلات هي التي ستقرر مصير الشراكة الاستراتيجية المعلنة، وهل ستكون فاعلة هذه المرّة بحكم السياق الجديد، أم ستبقى في حدود المصالحة الآنية، وربما العابرة؟!
كاتب سوري ـ باريس