قبيل انطلاق المفاوضات غير المباشرة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي التي ترعاها الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس باراك أوباما المتشدد والمتحمس لها، أخذت حناجر مسؤولي الإدارة بمن فيهم الرئيس نفسه تطلق نبرات ونعرات التهديد والتحذير، متوعدة كل من يتخذ خطوات استفزازية من شأنها أن تؤثر بشكل أو آخر على المفاوضات بالويل والثبور وعظائم الأمور.

وحينئذ كان الشك يرفض أن يغادر حدسنا وفهمنا من أن المقصود بهذا التهديد والتحذير الجانب الفلسطيني وليس الجانب الإسرائيلي، لأنه منذ بدء التهيئة لانطلاق المفاوضات غير المباشرة وحتى لحظة انطلاقها وأثناءها لم يأتِ الفلسطينيون بما يستفز أركان إدارة أوباما ويشوش على بوصلة المفاوضات، بل كانوا على قدر كبير من المسؤولية والمصداقية كما هو دأبهم دائمًا، ما يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أنهم أصحاب قضية ودعاة سلام ومحبون لغيرهم ، لا يحملون مشاعر العداء والكره والنبذ والغطرسة حتى لو كانوا هم الطرف المحتل والمستضعف والمغلوب على أمره.

لكن ما كان يقوي شكوكنا لتضعنا في خندقها لنصل إلى مرحلة اليقين هو أن عمليات الاستفزاز من جانب اسرائيل لم تنقطع البتة، بل إن وصفها بـ"الاستفزاز" أقل من مستوى الجرم المرتكب، فهي من الفداحة ما يجعل المفاوضات المباشرة وليس غير المباشرة أن تفقد قيمتها وأهميتها، وتؤشر بالنتيجة إلى أن من المحال الوصول إلى منطق تسوية أو سلام يؤدي بالنهاية إلى تحقيق رؤية الرئيس باراك أوباما لحل الصراع في المنطقة بحل الدولتين. فعمليات زراعة الأرض الفلسطينية وخاصة مدينة القدس المحتلة بالمستوطنات ظلت محافظة على وتيرتها لم تتوقف يومًا أو حتى لحظة.

والأعجب والأغرب والذي يبعث بإشارات غير مطمئنة أن كلما جاء جورج ميتشل المبعوث الأميركي لسلام الشرق الأوسط إلى المنطقة استقبلته الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة بمشاريع استيطان تضم مئات الوحدات السكنية، وعلى الرغم من كل ذلك لم نسمع كلمة تدين أو تعبر عن امتعاض من مثل هذه التصرفات الحمقاء أو مجرد انتقاد من جانب أوباما وادارته، وإنما كل ما هنالك الصمت المطبق المعبر عن رضا وموافقة كما هو معروف عنه.

وآخر عمليات الاستفزاز ـ حسب التوصيف الأميركي ـ القرار الإسرائيلي بالموافقة على تدمير 22 منزلًا فلسطينيًّا في حي سلوان بالقدس الشرقية لإقامة حديقة أثرية يهودية مكانها، بالإضافة إلى قرار الكيان الإسرائيلي إبعاد أربعة نواب مقدسيين عن القدس.

ترى ماذا كان رد الفعل الأميركي لو أن مثل هذه الاستفزازات صادرة عن الجانب الفلسطيني؟ طبعًا لأقامت الإدارة الأميركية الدنيا ولم تقعدها ومن قبلها ومن بعدها ومن أمامها ومن خلفها الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، ولصبت أقسى الإدانات وأقذع الأوصاف على الفلسطينيين.

وعلى الرغم من هذه الاستفزازات يشدد الإسرائيليون وخاصة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على الانتقال الفوري إلى المفاوضات المباشرة، وهو أسلوب لا يعدو عن أساليب المراوغة والكذب الإسرائيلية وإعطاء الانطباعات الكاذبة عن سعيهم إلى تحقيق السلام من خلال المفاوضات.

إن المطلوب من راعي السلام الأميركي أن يبلور خطوات عملية تبدد شكوكنا وتقطعها باليقين، وتزيل الغشاوة عن أعيننا لنميز الخيط الأبيض من الأحمر قبل الخيط الأسود، وإلا فإننا سنظل حبيسي دائرة الشك حول مصداقية التوجه الأميركي إلى إطلاق المفاوضات غير المباشرة.