في عالمنا العربي لا يتحرك الرجال إلا عبر عباءة المسؤول؛ فالمسؤول هو الذي يوفر الحماية والهيبة والاحترام للتابعين له أو الذين يعملون ضمن معيته. ويمثل ارتباط الرجال بالمسؤول حصانة تضمن لهم نوعا من النفوذ وتحقيق مصالح مختلفة وعديدة، فالارتباط بالمسؤول يعني مكاسب مادية ومعنوية في الوقت نفسه، حيث لا ينفصل الاثنان في عالمنا العربي.

واللافت للنظر أنه حينما يقع المسؤول أو يترك مكانه، ينفرط معه عقد الرجال الذين يرتبطون به، أو بلغة أقرب للدقة والصواب؛ الذين اختارهم وقربهم منه. ولعل ذلك يستدعي التعرف بدرجة أو بأخرى على آليات اختيار الرجال المساعدين للمسؤول وحيثيات اختيارهم، وهل يعتمد ذلك على العمل والجدارة أم على الثقة والاطمئنان وتبادل المصالح؟

وتظهر أهمية معرفة ذلك، في ضوء استناد العديد من المؤسسات في عالمنا العربي على الأشخاص ومدى نفوذهم وتأثيرهم، أكثر من عمل القوانين وجدارة الأفراد وأولويات الاعتماد عليهم والاستفادة من خبراتهم. والواقع أنه لا يوجد مسؤول في العالم دون رجال حوله، يمدونه بالنصيحة ويحددون له السياسات المختلفة التي يقوم بها.

وربما تمدنا الولايات المتحدة بمثال واضح لفريق عمل متكامل من المخططين والاستراتيجيين والإعلاميين، الذين يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بعمل الرئيس وغيره من المسؤولين الآخرين.

فمسألة وجود رجال حول المسؤولين مسألة عادية وشائعة في كل العالم، لكنها رهن بالمؤسسات التي يعمل من خلالها المسؤول، وبالتالي يعمل الرجال المرتبطون به. فإذا ابتلع المسؤول المؤسسة، فإن رجاله سوف يتصرفون حسب أهوائهم التي تعبر، من وجهة نظرهم، عما يراه المسؤول ويرغب في تنفيذه.

تتسم علاقات المسؤول مع مساعديه بالغموض والتعقيد في الوقت نفسه؛ فهي غامضة بسبب عدم وجود مؤسسات حقيقية ذات شفافية واضحة ومسؤوليات محددة، ومعقدة بسبب تداخل المهام وعدم وضوحها، وارتكاز العلاقات الاجتماعية في العالم العربي على القرابة والمحسوبية، بعيدا عن الجدارة والأدوار المرتبطة بها.

ومن الشائع في عالمنا العربي أن يلقي الجميع باللوم على الرجال المحيطين بالمسؤول وليس المسؤول ذاته؛ حيث لسان حالهم يقول إن المسؤول يتسم بالشفافية والاستقامة، وأنه لولا المحيطين به لما وصل الحال إلى ما آل إليه، وكأنه «مسؤول غير مسؤول»!

ومن فترة لأخرى نسمع في عالمنا العربي عما حاق بفريق عمل كان يحيط بأحد المسؤولين، سواء من خلال إعلان ذلك بشكل مباشر أو من خلال إتمامه بشكل هادئ لا يثير شهية وسائل الإعلام المختلفة.

ولعل هذا التصاعد يؤكد ضرورة تحديد العلاقات بين المسؤولين ومن يختارونهم أو يتعاملون معهم. فمن الواضح أنه لا يمكن لأي مسؤول أن يقوم بكافة الأعمال بمفرده، حيث يحتاج للعديد من المساعدين والمشرعين والمخططين.

ولا تفصل المؤسسات في العالم العربي بشكل جيد، بين عمل المسؤول والقواعد المنظمة لسير العمل في المؤسسة، وهي مسألة تعني أن المسؤول هو المؤسسة، وبالتبعية رجال هذا المسؤول إلى إشعار آخر.

ولعل ذلك هو ما يؤدي إلى الكثير من الخسائر الهائلة على مستوى العديد من المؤسسات، وبشكل خاص تلك الناجمة عن سوء التخطيط والمجاملات التي تصل حد الفساد الذي قد يودي بحياة المؤسسة ذاتها ويشرد العاملين فيها. لا يقف الأمر عند مستوى الخسائر المادية، بل يتعداها إلى الخسائر المعنوية والقيمية المتعلقة ببنية العمل.

فالملاحظ أن العلاقات بالمسؤول تولد بيئة أحقاد بين العاملين في المؤسسة، بسبب استفادة البعض ماديا ومعنويا على حساب البعض الآخر، وهي استفادة غير مستحقة في معظم الأحيان.

كما أنها تخلق حالة من اللامبالاة و«الأنامالية» بين باقي أفراد المؤسسة. الغريب أنه رغم الثمن الذي يدفعه الرجال المحيطون بالمسؤول في النهاية، فإنه هو ذاته يدفع ثمنا باهظا يتعلق بدرجة ثقته بالمحيطين به، وزيادة حيرته في اتخاذ القرارات المستقبلية.

وهي حيرة يمكن تجنبها بتوسيع دائرة المشاركة السياسية، وضمان ركيزة العمل المؤسسي الحقيقي، القائم على المحاسبة والشفافية، واختيار الرجال وفقا للجدارة والقدرة على العمل، وليس وفقا للعلاقات الشخصية والتبعية والخنوع.. وأحياناً الاستلطاف.

كاتب مصري

moc.liamtoh@mizaledbahelas